(2) ليه إحنا بنترجم العربى للمصرى ؟

والتعبيرات المصرية مُـتنوعه وغزيره زى تعبير (العواف) اللى بتقوله الست لجارتها فترد عليها ((اللاه يعافيكى)) وقد استخدمه الأديب إبراهيم أصلان كتير جدن جدن فى روايته (عصافير النيل) الصادرة عن دار الآداب- بيروت- عام 99- ص161، 162، 176. والتعبير دا كان شائع جدن عند غالبية شعبنا قبل غزو التعليم والإعلام للعقل والوجدان المصرى، وفرض تحيه واحده بتجسد وتروّج للشموليه والأحاديه، عشان نفى التعدديه اللى إتميّزتْ بيها الشخصيه المصريه. وكمان أصلان استخدم الكتير من التعبيرات المصريه زى ((نرجس وقفت (تنكش) فى علبة الكبريت)) فكلمة (تنكش) هـِـنا كنايه بلاغيه عن البحث عن حاجه فى الضلمه. واستخدم تعبير فلان ((هبد الباب)) أى أغلقه بعنف فى الترجمه العربيه. واستخدم لفظة (دوشه) بدل الكلمه العربيه (إزعاج) ونرجس لما كانت مشغوله فالسبب زى قالت ((أنا بأروّق الدولاب)) أى أنها بتعيد ترتيب الملابس فى الدولاب. وعبد الرحيم جلس على الكنبه ونشـّـف عرقه ، أى جفـّـف عرقه بالعربى. والبهى عثمان لما عاد من البوسته (قلع بدلة المصلحه) بدل الكلمه العربيه (خلع) وعبد الرحيم يسأل عبد الله: إزيك يا واد؟ فتكون الإجابة: كويس. فلفظ (إزيك) يقابله فى العربى (كيف حالك؟) ولفظ (كويس) يقابله فى العربى (أنا بخير أو بصحة جيدة) وفلان (لسه الميه بتحرقه) كناية عن ألم المثانة أثناء التبول بالعربى. أما لفظ (لسه) الذى يتردّد مئات المرات فى حوارات شعبنا فى اليوم الواحد، وله أكثر من استخدام رغم دلالة الزمن فى معظم الاستخدامات، وهو مُستمد من اللغة المصرية القديمة فى مرحلة تطورها الثالث أى مرحلة اللغة القبطية : (الواد لسه ماشى) أى أنّ الولد انصرف منذ وقت قصير. (الواد لسه ما جاش) و(الواد دا لسه خام) أى عديم الخبرة بالحياة. كما كتب أصلان على لسان الست أم أفكار، فكان الرد ((هوّ أنا لسه ح أستنى)) أى كم من الوقت سأنتظر بعد مكوثى مدة طويلة؟ و(الواد دا لسه صغير) و(مراته لسه هربانه) كناية عن الفترة الزمنية اللى انقضتْ دون العثور عليها، أى أنها ما زالتْ هاربة بالعربى. وفلان يسأل (أختى جات؟) تكون الإجابة (لسه) وليس لها أية ترجمة عربية غير (لا) أى أنها لم تحضر.
وكمان استخدم أصلان لفظ (بس) الذى ينطقه شعبنا مئات المرات فى اليوم الواحد بمعانيه المُـتنوعة: (هوّ حـُـر بس لما العيال تدحك عليه ما ليش دعوه) فهو هنا بمعنى (لكن) العربية. وفى سياق آخر يُستخدم اللفظ بمعنى (فقط) مثال: موظف يعترض على مبلغ المكافأة فيقول ((همّ دول بس؟)) واستخدم أصلان كلمة (وله) كبديل لكلمة (ولد) العربية. مع ملاحظة أنّ (وله) أو (واد) تحوير للأصل الهيروغليفى (ياد) بمعنى (ولد) بالعربى . وفلان ضرب (فلانـًا) بالمداس ، والكلمة المصرية هى البديل لكلمة (حذاء) بالعربى. ونرجس تخجل وترفض أنْ (تــُـشلح) وتقضى حاجتها أمام البط ، وكلمة (تشلح) كبديل عن أنْ (ترفع جلبابها) بالعربى . ويقول الزوج لزوجته (إتلهى) أى إخرسى وفقــًا لسياق الحوار. و(فلان زى الفل) كبديل للتعبير العربى (مثل الفل) وفلانه (قارحه) فى وصف المرأة التى لا تخجل بالعربى. ونرجس عندما اعتقدتْ أنّ عبد الرحيم مات، بينما كان فى غفوة طويلة قالت ((إخص عليك)) فكلمة (إخص) هنا بمعنى (خضتنى يا عبد الرحيم) أو أفزعتنى . وتعبير (إخص عليك وعلا اللى خلفوك)) عند ترجمته للعربى يكون ((يا لك من سافل أنتَ ومن أنجبوك)) وقال أحد شخصيات الرواية ((وأنا إيه اللى يودينى البيت؟)) أى ما هى الأسباب التى تجعلنى أذهب إلى البيت؟ عند ترجمتها للعربى.
وكتب الأديب محسن يونس فى روايته البديعة (تعديدة روائية فى أدوار) هيئة قصور الثقافة عام .2004 (تعال يا واد بالليل نعمل قعده فى الجنينه) فإنّ ترجمنتها للغة العربية تكون (تعال يا ولد ليلا لكى نجلس فى الحديقة) وكتب ((حــَـط لها العليق ما داقته)) فإنّ كتابتها وفق قواعد اللغة العربية تكون هكذا ((حط لها العليق ورفضتْ أنْ تذوقه أو تتذوّقه)) وكتب ((الست الوالده زنـّـئتْ عليه)) فالمعنى هنا أنها (ضّيقت) عليه أو أحكمتْ عليه الخناق ، فى حين أنّ معنى كلمة (زنأ) فى اللغة العربية ((زنأ فى الجبل صعد. والزناء بوزن القضاء الحاقن . وفى الحديث نهى أنْ يصلى الرجل وهو زناء)) (مختار الصحاح- ص297) بينما يستخدمها شعبنا للتعبير عن معانى مختلفة (الواد زنأ البنت فى الضلمه) وفلان (مزنوء فى قرشين) أى أنه متعسر ماليًا و(فلان مزنوء وعاوز يدخل الحمّام) أى يريد التبول أو التبرز. كذلك إحنا المصريين نستخدم العديد من الكلمات العربية بمعنى مختلف تمامًا عن معناها فى قواميس اللغة العربية زى كلمة (عكروت) اللى بتعنى فى معناها المصرى (الولد الشقى، الولد العفريت، الولد الحِدق) بينما معناها فى سوريا (القوّاد) أما معناها فى قواميس اللغة العربية (الرجل الذى ثــُـقبتْ شحمة أذنه) أى العبد الذى ثـُـقبتْ شحمة أذنه لإدخال حلقة معدنية (بغرض بيعه) حتى تـُميّزه عن الرجل الحر (نقلا عن الكاتب السورى عبد الهادى البيكار- جريدة القاهرة 19/7/2005).
والأديبة لطيفة الزيات فى روايتها (الباب المفتوح) مكتبة الأنجلو المصرية- عام 60 كتبتْ أنّ ليلى حكتْ عن انبهار المُدرسات بأخيها بعد أنْ عرفنَ دوره فى المظاهرات وقالت لأخيها ((المدرسات مبسوطين منك)) فعند ترجمة تلك الجملة للغة العربية تكون (المدرسات راضيات عنك أو مسرورات منك أو منبهرات بما فعلته) واستخدمتْ تعبير (أعمل إيه فى بختى المنيل؟) حيث كلمة (مِنيل) توارثها شعبنا عبر التراث الشفاهى كرمز وترجمة لطمى النيل الأسود وهى كلمة تتقابل مع كلمة (نيله) المستخدمة فى التعبير الشائع (جتك ستين نيله) بمعنى التمنى أنْ ُيصاب الشخص المُخاطب بكارثة أو مصيبة. وتعبير (بختى المِنيل) لو ترجمناه للعربى يكون ((حظى الأسود)) والإنسان عندما يتكلم بعصبية نصفه بالعربى أنه يتكلم بانفعال وبصوت مرتفع خصوصًا لو كان الموضوع لا يستحق الانفعال. ولاكن د. لطيفة انحازتْ للتعبير المصرى عندما قالت أم محمود لابنها ((يا أخى بلا خيبه. حازء نفسك أوى كدا علا إيه؟)) وفى اللغة العربية عندما يشعر الإنسان بالإهانة أو السخرية فإنه يرد على مخاطبه قائلا (أنت مخطىء) أو (أنت سيىء الظن) أو (أنا لا تــُـشرفنى صداقتك) ولاكن الأديبة انحازتْ للتعبير المصرى الجامع المُفحِم رغم أنه من كلمتيْن (إنت ح تلبخ؟)
وليلى عندما تشعر أنّ صديقتها سناء تــُـبالغ فى كلامها قالت لها ((آهو إنتى كدا يا سناء.. تحبلى البغله)) وكتبتْ ((كانت عديلة قد قررتْ أنّ سمعة نوال بطالة)) وعند ترجمتها للعربى تكون أنّ سيرة نوال أصبحتْ سيئة أو مشينة. وكتبت أنّ ليلى بعد ضحكات البنات عليها بسبب خطابات حسين الغرامية ((خرجتْ ملبوخه)) والمعنى بالعربى أنها خرجتْ مرتبكة. وبعد هذه الواقعة رأتْ سناء صديقتيها صامتتيْن فقالت ((مالكم مبلمين ليه؟)) وهو تعبير مُـفعم بدلالات عديدة فى الوجدان المصرى فهو يضم معانى الحيرة والتوهان والقلق والشرود إلخ. وليلى تغضب من نفسها لأنّ رمزى رآها ((متلطعه فى أركان الكليه)) فكلمة (متلطعه) يصعب ترجمتها للعربى فى كلمة واحدة، فهى تعنى الإنسان العاطل اللى ما عندهوش هدف، وأنه زى الذباب على الحائط وأنه بلا هوية وزيه زى الكم المُهمل إلخ. وليلى عندما شرحتْ لأخيها آلام معدتها بسبب سوء الهضم فإنّ الأديبة استخدمت المفردة العربية (تو) ولكن فى سياق مصرى. قالت ليلى (تو ما آكل أحس بنار فى سدرى) فالكاتبة هنا انحازتْ للاستخدام المصرى للمفردة (تو) بدلا من (عندما آكل، أو بمجرد أنْ آكل، أو ما أكاد آكل الخ) وسناء قالت لليلى فى سخرية مُحببة ((والله ما مصيبه غيرك.. مستموته كدا علا الفاضى.. إنتى فيكى حياه تكفى عشره)) فكلمة (مصيبه) فى العربى تعنى الكارثة. أما هنا فمعناها الشخص الذى يمتلك قدرات كبيرة رغم مظهره المُسالم وأنّ مظهره الخارجى عكس قدراته الحقيقية ، وهو التعبير الشائع والمُستخدم بين أبناء شعبنا فى السياقات المشابهة.
وكتب الباحث أ. عبد العزيز جمال الدين أنّ المصريين يُبدلون فى حروف الكلمات العربية، مثل كلمة (أرانب) التى تحولتْ إلى (أنارب) على لسان شعبنا المصرى وكلمة (ببغاء) إلى (بغبغان) إلخ كما يرى سيادته أنّ شعبنا بدّل فى حروف الكلمة الواحدة لتكون أكثر تأثيرًا وأكثر حيوية زى (يرتعش) العربية لتصير فى المصرى (يترعش) و(يهتز) لتصير(يتهز) و(يحترق) لتصير(يتــْحرق) كما أضاف شعبنا بعض الحروف على الفعل العربى ليكون أكثر تأثيرًا زى (يتعظم) فيكون فى المصرى (يتمعظم) إلخ (مجلة مصرية- العدد العاشر- سبتمبر2000 وكذلك دراسة أ. شريف الصيفى – نفس العدد)
وكان د. عبد القادر القط على درجة عالية من الأمانة عندما كتب أنّ هاملت كان يلعب بكلمة Lie بمعنى (يرقد) وبمعنى (يكذب) وهذا الحوار لا يمكن نقله إلى العربية (هامش فى ترجمته لمسرحية هاملت- هيئة قصور الثقافة- عام 99- ص244) وكتب فى المقدمة أنه لاحظ على بعض الترجمات الالتزام بالمعنى الحرفى، دون الغوص فى مفردات كل شعب، ولذلك ((يجيىء النص العربى على شيىء غير قليل من الركاكة والغموض))
وكتب د. محمد عنانى فى مقدمته لترجمة مسرحية (تاجر البندقية) أنّ النص الذى يقدمه ليس الصورة الوحيدة للمسرحية ((ولا أستطيع أنْ أزعم أنه يُعادل النص الأصلى تعادلا مطلقــًا لأنّ اختلاف الوسيلة الفنية (وهى اللغة هنا) بخصائصها المتفردة يعنى اختلاف الانطباع العام. وعندما يُـترجم المترجم عبارة مثل I am telling you دون إلمام بالسياق فإنه لن يستطيع لها تفسيرًا أو تأويلا بل سيقف عند حدود الشرح فهو هنا سجين للعبارة المستقلة. وقد يترجمها : إننى أخبرك/ أقول لك ، فإذا اتضحتْ له بعض معالم السياق كأنْ تكون العبارة مسبوقة بما يدل على عدم التصديق فإنّ الترجمة الدقيقة تكون : صدقنى.. هذا هو ما حدث.. وإننى أنا الذى أخبرك)) (ترجمة تاجر البندقية- هيئة الكتاب المصرية- عام 2008- ص9، 12)
وكان الأديب الراحل خيرى شلبى على درجة عاليه من الوعى بمفردات شعبنا فى معظم أعماله. وفى روايته (الأمالى) هيئة الكتاب المصرية- عام 97 استخدم العديد من التعبيرات المصرية مثل (اصبر علا الرز حتى يستوى) وهو تعبير مصرى شائع يُقال للشخص المُـتعجّل الذى لا يهمه النتائج السلبية. فلو أنّ المترجم الذى ينقل التعبير من المصرى للعربى غاب عنه المعنى المقصود يكون (سجين للترجمة الحرفية) كما ذكر د. القط ود. عنانى. واستخدم شلبى تعبير (فلان قارش ملحة فلان) وهو تعبير يُقال للشخص الواعى بأفكار شخص آخر، وما حكاية (الملح) إلاّ صورة مجازية. وكتب فلان (قاعد علا السقطه واللقطه) أى الشخص اللى بيتصيّد كل سقوط ويلتقط كل ما يقترب منه. واستخدم تعبير (تور الله فى برسيمه) ويُقال عن الشخص اللى موش قادر عللا التواصل مع شخص آخر رغم أنهما يتكلمان لغة واحدة. وكتب (فلان عامل زى شرابة الخرج) ولأنّ الخرج أقرب للشوال ولكن بحجم أصغر (والشرابة) هى الشيىء التافه فى قعر الخرج فيكون المعنى المقصود أنّ هذا الشخص لا يمكن الاعتماد عليه لضآلة شأنه. وكتب (شايل طاجن ستك) تعبير مصرى عن الشخص الحزين . وكتب (دبور زنْ علا خراب عشه) يُقال عن الشخص الأحمق الذى يُصر على شيىء معين رغم أنّ هذا الشيىء يُسبب له الضرر. وكتب (فلان ولد الفرطوس) وكلمة (الفرطوس) منتشرة فى جنوب مصر وتـُقال كنوع من الإهانة. وكتب (زيطه وزمبليطه) وهما كلمتان تـُقالان كتعبير عن الهرج سواء فى المناسبات السعيدة أو الحزينة ، لأنّ المقصود هو عدم الهدوء كما فى الأوقات الطبيعية.
وكتب (فلان إتعلم الكــُـفت) وكلمة (الكفت) كناية عن الخبرة العميقة التى يتميّز بها بعض الأشخاص دون غيرهم. وجاءتْ الكلمة من خبرة الصناع المهرة اللى (يُكفتون) النحاس بالفضة. وكتب (فلان طوّل إيده علا بتاع الناس) وكلمة (بتاع) ذات الحروف العربية هى ترجمة لأداة الملكية فى اللغة القبطية وعشان كدا بنقول (الكتاب دا بتاعى) و(الشنطه دى بتاعتى) وكتب (جلس فلان منجعصًا) وكلمة (منجعص) كناية عن الشخص الذى يجلس فى حالة استرخاء تام ولا يُبالى بمن يجلس معه. واستخدم تعبير(سبهلله) وهو تعبير مصرى للدلالة على الفوضى وضد كل شخص لا يحترم النظام العام أو العرف السائد. وكتب (فلان فاشخ حنكه) وهو هنا ترجم المعنى من العربى للمصرى عن الشخص الذى يفتح فمه عن آخره. وكتب (الشعب المصرى مِهاود) وكلمة (مهاود) تعنى التظاهر بالموافقة لاكن الحقيقه غير كدا. واستخدم تعبير(ملعلط) كناية مصرية عن الشىء البراق اللامع. واستخدم كلمة (الصرمه) كبديل عن الحذاء. وإذن تكون ترجمة جملة أنّ (فلانـًا زى الصرمه) من المصرى للعربى أنّ (فلانـًا مثل الحذاء) والترجمه دى موش ممكن تتم إلاّ إذا كان المترجم على وعى بمعنى كلمة (الصرمه) وكتب (تنطع) وهى كلمه بتتقال عن الشخص بليد الحس ويطلب أشياءً لا يستحقها أو يُحوّم حول أغراض لا تخصه. وإذا تصوّر أحد أنّ المصدر (نطع) العربية فإنّ معناها (طلع) كتبع ودرع (مختار الصحاح- ص691)
وخيرى شلبى استخدم تعبير (أجعص جعيص) كبديل لتعبير(أكبر كبير أو أتخن تخين) واستخدم كلمة (لجلجه) كناية عن التردد وكلمة (باظت) كبديل للخسارة وكلمة (تِكسكس) كناية عن الرجوع للوراء. و(حتتك بتتك) وهما كلمتان من اللغة القبطية للتعبير عن حالة النهم فى أكل الطعام . وكلمة (شكمه) بمعنى أخرسه فى حالة الحوار، وبمعنى الضرب فى حالة المشاجرة. وكلمة (خلبوص) للدلالة على الشخص غير السوى فى المعنى المصرى. وكتب (مخى متبرجل) وكلمة (متبرجل) بديل لحالة الصدمة التى تجعل الشخص فى حيرة من أمره ولا يملك القدرة على رد الفعل. وكتب (فلان مخربش ومتلطم) كناية عن الشخص صاحب السوابق فى الحياة العملية. واستخدم (الجعجعه والبرطمه) والأولى تعنى الكلام الفارغ اللى ما لوهوش أى معنى. والثانيه تعنى الكلام المُـضغم غير المفهوم. و(تتبختر) وهى كلمة تعنى المشى بزهو وتمايل ودلال وتفاخر وإعجاب بالذات، أى أنها شملتْ كل هذه المعانى العربية فى كلمة واحدة. وكتب (فى عينيه نظره دبلانه) وهنا سيطر الحس المصرى على الأديب بانتصار البنية اللغوية المصرية، بمراعاة أنّ الكلمة العربية (ذابلة) وأنّ (دبلانه) مثل حيرانه وكسلانه أى صيغة صرفية واحدة بدلا من تعدد الصيغ بالعربى (ذابلة، حائرة، كسوله) والتمييز بين صيغ الأفعال وصيغ الأسماء ، أفرد لها المرحوم بيومى قنديل فصلا فى كتابه (حاضر الثقافة فى مصر) أتمنى أنْ يكون فى مكتبة كل مصرى.
وكان الراحل الجليل صلاح حافظ من المترجمين اللى ما كسرتهمش اللغة العربيه وهوّ بيترجم مذكرات شارلى شابلن (كتاب الهلال- سبتمبر65) فكان يحرص على نقل المعنى من اللغة الإنجليزية إلى اللغة المصرية رغم أنه يستخدم الألفاظ العربية. ولاكن وعيه بأنّ الترجمة الدقيقة لازم تكون بنقل المعنى وفق مفردات الروح والوجدان الشعبى لكل شعب، لذلك اهتمّ بالوجدان الإنجليزى والمصرى وهوّ بيترجم عن الإنجليزية. وكان أ. حسن عثمان شديد الدقه عندما قضى عشرين سنه وهوّ بيترجم الكوميديا الإلهية لدانتى . واعتمد علا تلات طبعات إيطالية رئيسية وطبعات إيطالية أخرى ومراجعة الترجمات الإنجليزية و(الأمريكية) والفرنسية. وكتب فى المقدمة ((يظلم دانتى من يحاول ترجمة الكوميديا إلى لغة أخرى بأسلوب فصيح. لذا فإنّ أفضل ترجمات الكوميديا هى الترجمات التى يحاول مترجموها التجاوب مع دانتى والانتقال معه من الشعر الفخم إلى الكلام البسيط العامى الذى يجرى على ألسنة الناس فى الشارع والبيت)) (دار المعارف المصرية- عام 88- ص 69) ولم يكتف حسن عثمان بكدا وإنما قرأ تاريخ إيطاليا الثقافى والاجتماعى فى عصر دانتى.
وكتب الأديب السورى حيدر حيدر فى روايته (وليمة لأعشاب البحر) على لسان أحد الشخصيات أنّ ((دِنْ الرايب ما بى زبده)) أى أنّ الوعاء الذى فيه (رايب اللبن) لا يُخرج زبدة. وقد قال هذا المثل فى سياق نقد حركة العمال عبر التاريخ وأنّ كل الحركات الاحتجاجية لم تـُحدث أى تراكم ، فإذا كان المترجم غير واعٍ بالمعنى تكون ترجمته حرفية وبلا أى معنى. كما أنه عندما غنى أحد الأشخاص أغنية باللغة العراقية فإنّ بطل الرواية العراقى شرح المعنى للحاضرين. وعندنا فى مصر تعبير (نقبه علا شونه) فكلمة (نقبه) من التنقيب العربية والشونة هى أشبه ب (تل) من الغلال، وأنّ شخصًا يبحث عن شىء ما ولم يستطع العثور عليه. وكذلك تعبير(شنه ورنه) ومعناه فى الوجدان المصرى (رجل له صيت عالى مسموع) و(شن) هى الخرطوشة اللى كانت بتتكتب عليها اسم ملك مصر. و(رنه) من الرنين. فلو غاب المعنى دا عن المترجم وهوّ بيترجم من المصرى للعربى ح يقف حيران.. وموش عارف يتصرف.
وفى كل الأمثله السابقه الدليل الدامغ على إننا إحنا المصريين لنا لغه خاصه (زى كل شعوب العالم) رغم إننا بنستخدم العديد من الكلمات العربيه ، بس هىّ (معجونه) بالبنيه Structure اللغويه المصريه والوجدان المصرى فى تعبيراته اللى ما يفهمهاش إلاّ شعبنا أو اللى عاش فى مصر واتعرّف علا لغتنا القوميه.

طلعت رضوان

talaat radwan

طلعت رضوان

مواليد القاهرة - حى العباسية - سنة 1942 عمل فى توزيع العيش مع والده على عربة خشب صغيره.. ثم عمل فى أكثر من مهنه.. مهتم بتاريخ مصر (القديم والوسيط والمعاصر) له 26 كتاب ما بين الرواية والقصص القصيرة وكتب فكرية وكتب فى دراسات النقد الأدبى.. وله موقع فرعى على موقع الحوار المتمدن..

اقرا كمان ل طلعت رضوان