(1) ليه إحنا بنترجم العربي للمصري ؟

في الثقافة المصرية السايدة اعتقاد راسخ زي رسوخ الجبال ، وهو إننا إحنا المصريين بنتكلم لغه عربيه. حتا اللغة اللى بنتكلمها فى حياتنا اليومية ، وقالو عليها (عامية العربية) لاكن (طاها حسين) وهوّ واحد من اللى دافعو  عن اللغه العربيه كتب ((إنّ كثيرًا من الناس ليقولون أنّ اللغة العربية التى يتعلمها الصبى فى المدرسة لغة أجنبية)) وأنّ اللغة العربية ((إنْ لم تكن أجنبية فهى قريبة من الأجنبية. لا يتكلمها الناس فى البيوت ولا يتكلمونها فى الأزهر نفسه)) (مستقبل الثقافة فى مصر- دار الكاتب اللبناني- بيروت- المجلد التاسع- عام73- ص31، 248، 298، 299، 303، 311) والشهادة دي (اللي المتعلمين المصريين المحسوبين على الثقافه المصرية السايدة) من واحد من الكبار اللى دافعو  عن اللغه العربية تخللي العقل الحر يسأل : ليه المُكابرة والعناد بالإصرار علا إنْ شعبنا المصرى بيتكلم (لغه عربيه) فى حياته اليومية ؟ خصوص ن إنْ ما فيش مصري واحد بيروح يشتري حاجات بيته ويتكلم بالعربي. يعني لما يروح يشتري (جبنه) بيقول للبايع ((عاوز كيلو جبنه)) وحتا لو ترجمناها للعربي وقال ((اعطنى كيلو جبنة) ممكن يتوقف عشان يراجع قواعد النحو ويشوف كلمة (جبنة) منصوبة ولاّ مكسورة؟  ودا مثال واحد من آلاف الأمثلة. ودا اللى بيعملوه المصريين (كلهم) سوا من الأميين أو من أعضاء مجمع اللغه العربية. وكما تعالو  نشوف السيناريو المُـتخيّـل : يقدر شيخ الجامع الأزهر أو المفتى أو رئيس مجمع اللغه العربيه وصف مباراة كرة القدم باللغه العربيه ؟ والتحدى دا بيقابله المثال الواقعى المعكوس : أنّ الشيخ التليفزيونى متولى الشعراوى ما حصلش علا شعبيته الكاسحه إلاّ لما استخدم لغة شعبنا المصريه. عشان فيه فروق جوهريه بين اللغتيْن المصريه والعربيه : الأولانيه ما فيهاش إعراب ، وبتخالف التانيه فى حكاية (العدد عكس المعدود) وأداة الاستفهام فى الأولانية فى آخر السؤال : اسمك إية؟ كنت فين؟ عكس الثانية: ما اسمك؟ أين كنت ؟ إلخ وأداة الإشارة فى الأولانية: الواد دا.. البنت دى.. الناس دول ، عكس التانيه : هذا الولد ، هذه البنت ، هؤلاء الناس. وأداة الوصل فى الأولانية: الواد اللي.. البنت اللي.. الناس اللي، عكس التانيه : الولد الذي، البنت التي، الناس الذين دا غير المثنى والجمع والنصب والرفع وهىّ تسع أدوات اختصرتها لغتنا فى أداة واحدة (اللي) وحتا لو استنينا الفروق بين اللغتيْن المصريه والعربيه (واللى المتعلمين المصريين بيغمضو عيونهم عنها) فا ح تلاقى تحدي أكبر موجود فى (التعبيرات المصرية) اللى ما بيفهمهاش إلاّ شعبنا أو شخص أجنبي مُـتخصص فى علم اللغويات ويكون عاش فى مصر واحتكّ بلغة الشعب ، خصوص ن لغة الأميين . والتعبيرات المصريه بتحتاج لترجمة من المصري العربى مع شرح معناها. زي:

تعبير ((اطلع من دول)) ودا تعبير بيقوله الشخص الأولاني للشخص التاني اللي بيحاول يتخذلق ويدّي لنفسه أكتر من امكانياته. وعشان الشخص الأولاني عارفه وعارف قدراته يقوم يقول له ((اطلع من دول)) يعنى ((أنا عارف أصلك وفصلك.. ومش ح تقدر تدحك علىّ)) والأديب الكبير نجيب محفوظ وقع فى الغلط لما حاول فى واحدة من رواياته (خان الخليلي علا ما أتذكر) ترجمة التعبير المصري للعربي، فقال أحد أولاد البلد (أظنه قهوجي) لزميله اللي كان بيتظاهر بالفهلوه وقدرات أكبر منه ((اخرج من هؤلاء)) وعشان كدا ضرب المترجم الإنجليزي اللى كان متخصص فى ترجمة أعمال نجيب محفوظ لخمة.. وسألنا- وكنا قاعدين فى قهوة زهرة البستان (فى أواخر الستينات) يعنى إيه ((اخرج من هؤلاء))؟ وشرحنا له المقصود ، يعنى ترجمنا له معناها.. مع الدحك الساخر .

تعبير ((سايق عليك النبى)) والتعبير دا بيقوله المصري لجاره أو لصديقه عشان الموافقة علا رأى معين أو تنفيذ رغبه.. إلخ. ولو إنْ واحد أديب كتب التعبير دا ، وفيه مترجم عاوز يترجمه للغة الإنجليزية أو الفرنسية إلخ تلاقيه ح يقع فى الغلط لو التزم بمعناه الحرفى وهوّ بيترجم كلمة (سايق) عشان ح يخدها علا أنها من (السواقة) زى سواق السيارة. والغلط اللى وقع فيه المترجم ح يجر السخريه معاه. عشان ما فيش علاقه بين (سواقة السياره) والنبي. ولاكن المترجم اللى عاش فى مصر واحتكّ بالأميين ، ح يختلف عن المترجم اللى عمره ما عاش فى مصر، ولا عرف لغة الأميين المصريين. لاكن اللى عاش فى مصر ح يفهم التعبير ويترجمه ويشرحه عشان هوّ كان فاهم معناه الحقيقي.

تعبير ((اللي يحب النبيى يزق) والتعبير دا بيستخدمه شعبنا، يعنى لما واحد تتعطل سيارته فى الطريق العمومي ويطلب مساعدة اللي ماشيين فى الشارع فى دفع السيارة عشان تتحرك. هـِـنا شعبنا دخـّـل النبى فى موضوع دفع السيارة، وكمان استخدم فعل ما لوش وجود فى اللغه العربية (زق) عشان معناه فى قواميس اللغه العربية (( الزق : السِقاء)) (مختار الصحاح – المطبعة الأميرية بمصر- عام 1911- ص 294) ولازم نلاحظ إنها (اسم) موش (فعل) زي استخدام شعبنا.

تعبير ((واللاهى إنْ ما بطلتْ استغلال ح أكنس عليك السيدة)) والتعبير دا بيقوله المصري للشخص الاستغلالى اللى بيرفض يرد الحق لصاحبه. أو الشخص المعروف عنه إنه (سوابق) فى النصب والاحتيال علا الفقرا ، فيكون معناه لو إنت موش ح ترد لى حقوقى ح أسلط عليك السيدة زينب وأطلب منها تنتقم منك وتنزل عليك المصايب إلخ ودا المقصود من ((أكنس عليك السيده) فلو إنْ أديب كتب التعبير المصرى دا فى روايه ، وحب مترجم أجنبى ينقل معناه الحقيقى يبقا لازم  يكون دَرَس مفردات شعبنا فى تعبيراته اللى ما يفهمش معناها أى شعب أجنبى (أوروبى أو عربى.. إلخ) إلاّ فى حاله واحدة: إنه عاش فى مصر وعرف خصايص شعبنا اللغوية والوجدانية.

تعبير (مِقندل) رغم أصل الكلمه دى فى اللغة العربية (قنديل) ومنحوته منها لاكن شعبنا عَكــَس معناها المقصود فى اللغة العربية. وبقتْ بتعبـّـر عن حاجه تانيه خالص ما لهاش علاقه بأصلها العربي، فيقول المصري علا الشخص ، أو علا الشىء اللى موش عاجبه (مِقندل) وساعات يضيف (مـِقندل بالطين) أو (ربنا يقندلك) ومعناها (ربنا يطينك) إلخ فلو إنْ أديب كتب التعبير دا وحب مترجم أجنبى ينقله للغته والتزم بمعناه الحرفى لأصل الكلمه (قنديل) يعنى المصباح المنير، يكون وقع في الغلط.

تعبير ((الواد دا مِنيل بستين نيلة)) مع أنّ كلمة (مِنيل) منحوته من كلمة (النيل) لاكن شعبنا استخدمها للتعبيرعن حاجه تانية خالص وبيختلف عن معنى كلمة النيل ودلالاتها التاريخية والحضارية. وأنا شايف إنْ عبقرية أول إنسان مصري (وهوّ فى الغالب من الأميين) نحت المعنى دا،  و(عبقريته) جات فى إنْ النيل بيجرف معاه (الطمي) والطمي لونه أسود وفيه شوائب وشكله الخارجى زى التراب بعد خلطه بالميه إلخ.. ويبقا معناه المقصود (عند الترجمة من المصري للعربي) إنْ الواد دا مصيره ح يكون زي مصير الطين والتراب ، أو إنْ مصيره أسود إلخ. فلو إنْ أديب كتب التعبير دا وحب مترجم أجنبى يترجم معناه الحقيقى للغته ، يبقا لازم يكون علا وعى بمعناه المقصود فى التعبير المصري .

تعبير ((واللاهى إنْ ما سكت لأدغدغ دماغك)) هـِـنا كمان ح نلاحظ إنْ المصرى استمر فى استخدام بعض الكلمات العربيه ، لاكن عشان ينحت منها معنى مختلف عن أصلها العربى فهى فى قواميس اللغة العربية بمعنى ((دغدغة المشاعر)) لاكن معناها فى اللغه المصرية: أكسر دماغك. فلو إنْ أديب كتب التعبير دا وحب واحد مترجم ينقل معناه من المصري للغة العربية، لازم يكون المترجم علا وعى بالفرق الجوهرى والمدهش والمغاير لمعناه فى اللغتيْن المصرية والعربية.

تعبير ((الواد زرجن ومش عاوز يروح المدرسه)) التعبير دا معناه إنْ الولد رافض يروح المدرسه ، لاكن معنى كلمة (زرجن) فى قواميس اللغه العربيه ((الخمر وقيل الكــّرمْ وقال الأصمعى هى فارسية مُعرّبة أى لون الذهب . وقال الجوهرى هو صِبغ أحمر)) (مختار الصحاح – ص292) فلو إنْ المترجم نقل معناه الحرفي الموجود فى قواميس اللغة العربية يكون وقع فى الغلط  وما نقلش المعنى المقصود فى اللغة المصرية.

تعبير ((إخص عليك واد مش متربي)) التعبير دا بيستخدمه شعبنا بمعنى الازدراء من أي إنسان ما عندهوش اللى الناس اتعارفت عليه من الأخلاق النبيلة. لاكن معناه فى قواميس اللغة العربية ((الخصية: والخصيتان البيضتان. وخصيتُ الفحل : أخصيته (خصاء) بالكسر والمد. وإذا سللتَ خصية الرجل (خصى) والجمع خصيان)) (مختار الصحاح- ص197) وكمان كلمة (الخضه) زى حالة الإنسان اللى دخل علا إنسان فى الضلمة ومن غير تمهيد فيقول الأولانى للتانى ((إخص عليك خضتنى) أو لما يغيب الطفل عن أمه فتقول له (إخص عليك خضتنى) هـِنا تأكيد علا إنْ شعبنا استخدم المفرده العربيه فى سياق مختلف عن سياقها ومعناها فى اللغه العربيه. كمان عاوز أأكــّـد علا إنْ الاستخدام المصرى الحديث مُستمد من أصل اللغه المصريه القديمه (إ خ ص ى) بمعنى خسيس ووضيع ، وعشان كدا لازم يكون المترجم اللى بيحترم أصول الترجمه عليه نقل المعنى المصرى موش نقل المعنى الحرفى اللى موجود فى قواميس اللغه العربيه أو زى ما هوّ شائع بين المتعلمين المحسوبين على الثقافه المصريه وبيرفضو  الاجتهاد فى علم اللغويات.

تعبير((الناموسية كحلي)) والتعبير دا بيقوله شعبنا للشخص اللى إتأخر عن موعده ، ومعناه أنه إتأخر فى النوم وعشان كدا إتأخر عن موعده. ويبقا السؤال هوّ: شعبنا نحت التعبير دا إزاى؟ نحته من الكلمتيْن : فالناموسيه مُـشتقه من كلمة (ناموس) وهىّ اللى كان جدودونا بيحطوها علا (داير السرير) لمنع الناموس من التسلل للشخص وهوّ نايم. وكلمة (كحلى) فدى بدورها مُـشتقه من كلمة (الكحل) اللى الست بتحطه فى عينيها ولونه بيميل للسواد. يعنى الإنسان اللي إتأخر عن موعده كانت (ناموسيته كحلي) وراح فى نوم عميق. فلو إنْ المترجم إتوقف عند معناه الحرفى تكون ترجمته موش دقيقه وما لهاش علاقه بالمعنى المقصود من التعبير المصري.

تعبير ((الكفن ما لوش جيوب)) والتعبير دا بيقوله شعبنا للتأكيد علا درجه عاليه من الزهد وعدم الطمع فى جمع الأموال والعقارات ، فالإنسان (مهما جمع من ثروات) فإنه لما بيموت ما بياحدش حاجه معاه فى تربته. ودا معنى إنْ الكفن (ما لوش جيوب) فلو إنْ المترجم من المصري للعربي إتوقف عند معناه الحرفى ، يكون ما نقلش معانى الزهد ويكون غلط فى حق نفسه وحق القارىء.

طلعت رضوان

talaat radwan

طلعت رضوان

مواليد القاهرة - حى العباسية - سنة 1942 عمل فى توزيع العيش مع والده على عربة خشب صغيره.. ثم عمل فى أكثر من مهنه.. مهتم بتاريخ مصر (القديم والوسيط والمعاصر) له 26 كتاب ما بين الرواية والقصص القصيرة وكتب فكرية وكتب فى دراسات النقد الأدبى.. وله موقع فرعى على موقع الحوار المتمدن..

اقرا كمان ل طلعت رضوان