مابين التقويم المصري والتقويم القبطي الكنسي

احنا احتفلنا من فترة راس السنة المصرية، ومن حوالي عشر سنين فاتو واكتر كان الناس اللي بتحتفل براس السنة المصرية كانو بيتعدوا على صوابع الإيد، لكن السنة دي في ناس كتير احتفلوا بتظاهرات مختلفة دا غير الناس الكتير اللي كانو بيعيدو على بعض ف وسائل التواصل الاجتماعي المختلفة، ودا شيء في حد ذاته عظيم.
راس السنة المصرية هي من أقدم تقاويم العالم إن مكنتش أقدمهم على الإطلاق. التقويم المصري حصل بسبب ملاحظتهم لنجمة سبدت Sirius مع شروق الشمس، واللي بيتكرر مرتين كل سنة، ومن هنا المصريين ابتدوا يحسبو الفترة بين الالتقائين اللي بين سبدت وشروق الشمس ويحسبو سنتهم.
الاكتشاف العظيم دا حصل لما حققت فيه مصر واحد من أقدم عمليات التوحيد اللي قامت بيها وخلاها دولة قوية سياسيا، ساعتها اتقابل نجمة سبدت مع شروق الشمس مع الفيضان ف نفس السنة العظيم دي واللي –غالبا- حصل سنة 4241 ق.م، عشان كده احنا بنحتفل بمرور 6258 سنة على تأسيس التقويم دا وتأسيس أقدم دولة مركزية (احتمال متكونش أقدم دولة مركزية لاننا لسة مكتشفناش تاريخنا بشكل كامل).
ولو لاحظنا هنا فاحنا هنلاقي عناصر مهمة جدا أولنا الشمس اللي كان بيقدسها المصري القديم وفيضان النيل اللي هو بيجيب الخير لمصر دا غير تقديس المصري القديم فطبيعي إن جدنا يركز أوي مع النجمة دي ويعتبرها مهمة ويتابعها ومن هنا ابتدت قصة التقويم المصري. اللقا بين شروق الشمس وظهور سبدت مع الفيضان مبيتكررش غير كل 1460 سنة.
أول شهر من شهور السنة المصرية هو شهر توت نسبة لتحوت إله الكتابة والمعرفة اللي بينسبوا ليه اختراع الكتابة والتقويم، وعشان كده السنة المصرية كانت ولازلت بتتسمى برضه باسم السنة التوتية نسبة للشهر دا، وممكن برضه يكون نسبة للشخص دا. وف كتاب سامح مقار “أصل الألفاظ العامية من اللغة المصرية القديمة الجزء التاني” هنلاقي إنه بيشير لإن تحوت دا شخصية حقيقية، وانه اتولد ف قرية “منتوت” اللي موجدوة ف مركز أبو قرقاص اللي ف محافظة المنيا. ومنتوت دي كلمة قبطية معناها مكان توت أو موطن توت. سام مقار وضح كمان إن أجدادنا سموّ الشهور القبطية ف العصر الفارسي لكن قبل كده كانوا بيعبروا عن الشهور دي بالأرقام، وبيقولوا الشهر الأول من الفيضان … الشهر التاني من الفيضان …
وحسب كتاب أصل الألفاظ العامية من اللغة المصرية القديمة الجزء التاني، فالمصريين ماكنوش بيقسمو الشهر لأسابيع، لكن كانوا بيقسموه لتلات عشرات وبكده يكون التقسيم دقيق جدا لإن الشهر كان بينقسم 30 يوم من غير أي انحرافات زي اللي بنشوفها ف التقويم الميلادي، اللي العالم كله بيستخدمه دلوقت، و التقويم الهجري.
طيب ايه قصة التقويم القبطي أو تقويم الشهدا وعلاقته بالتقويم المصري/التوتي. زمان كان الملك هو المرجعية ف التأريخ ودا هنلاقيه ف كذا حضارة أو ف كذا نظام حكم فطبيعي إننا نلاقي الجملة دي “في السنة الفلانية من أيام حكم الملك العلاني حصل كذا”، فمكنش فيه تقويم “حساب للسنين” مستمر على طول، وكانت الدنيا ماشية، لحد ما وصل أخينا دقلديانوس لحكم الإمبراطورية وكان دا سنة 284 ميلادي، دقلديانوس كان ف بداية حكمه متسامح مع المسيحيين لكن ف أواخر حكمه انقلب عليهم واصدر أربع مرسومات بيحرض فيهم على اضطهاد المسيحيين، الاضطهادات دي شملت حرق الأناجيل والكتب الدينية وهدم الكنايس ومنع المسيحيين من الصلاة وقتل آلاف من المسيحيين وقتل وسجن رؤساء الكنايس ورجال الدين المسيحي، لدرجة إن الكنيسة المصرية اعتبرت إن عهد دقلديانوس هو بداية عصر الشهدا، وحسبته كحادثة تحوليه ومحورية في التاريخ الكنسي، وعشان كده ابتدوا يحسبه من بداية حكم دقلديانوس تاريخهم وسموا دا تاريخ الشهدا، عشان كده لو تلاحظو ان الرمز اللي بيتحط جنب السنة القبطية هو ش اختصار شهدا. وطبعا لانهم ماشيين على التقويم المصري السبدتي من زمان فكل اللي عملوه انهم حددوا بداية حكم دقلديانوس وابتدوا يحسبو من بعده بالسنين المصرية اللي بتتحسب بظهور نجمة سبدت، من غير مايغيروا أي حاجة.
التقويم القبطي أو تقويم الشهدا هو مزيج مابين القومية والدين، الكنيسة مااستخدمتش أي حساب للسنين غير الحساب المصري اللي ماشيين بيه من آلاف السنين، لكنهم بدأوا يعدوا السنين من حادثة هي تعتبر ف عمق الفكر المسيحي وهو الاستشهاد من أجل المسيحية واللي اتذكرت فاكتر من آية وحادثة ف العهد الجديد.
وهنلاحظ كمان ان التقويم القبطي المسيحي مختلف عن التقويم الكنسي، فهنلاقي مثلا إن الكنيسة اليونانية بتحسب السنة الكنسية عندها بحادثة هي دخول السيد المسيح للمجمع لما قرا سفر أشعيا وف الحادثة دي اعترف يسوع إنه هو المسيح لأول مرة. وهنلاقي إن السنة الكنسية هي فقط مجرد ترتيب لأيام الأعياد والمناسبات الكنسية طبعا هم ماشيين على النظام الشمسي اللي احنا ماشيين بيه ف التقويم الميلادي الحالي.
وكان راس السنة ف الكنيسة القبطية هو واحد من أهم الأعياد مش لسبب عقائدي لكن لإنه كان بيتحدد عليه حاجات كتير ف الكنيسة، يعني كان يوم الاحتفال براس السنة القبطية بيتم تحديد فصول التربية الكنسية والخدام اللي هيشتغلو فيها (العمل التطوعي جوا الكنيسة بيتقال عليه خٍدْمة واللي بيشتغل فيها بنقول عليه خادم والمسئول عن سير العمل التطوعي جوا الكنيسة بيتقال عليه أمين الخدمة).
نفس الموضوع بالنسبة لراس السنة المصرية/التوتية ف مصرنا القديمة، جيمس هنري برستد بيقول فكتاب فجر الضمير إن الاحتفال بالسنة الجديدة بيكون ف أيام النسيء كلها، ووصف موكب الاحتفال ف أسيوط، لما كانو بيمشو ف أسيوط وأسواقها ومعاهم تمثال وابوات ويخرجوا بيه بره البلد لحد معبد أنوبيس ويدبحو هناك تور لوابوات. لكن اليوم الأول من السنة الجديدة دا كان بيبقى أعظم الأعياد في التقويم السنوي، وكان الناس بيوزعوا على بعض الهدايا ف اليوم دا، وكان أهالي العزب والمقاطعات بيزوروا سيد العزبة أو المقاطعة ويدوله هدايا.
من هنا يبان إن راس السنة المصري/التوتي/القبطي له أهمية في كل مراحل تاريخ مصرن وابعادها المختلفة، وطبيعي إن المكانة دي ترجع بالتدريج مع زيادة الوعي بالهوية المصرية واللي بتحصل دلوقت.

انطون ميلاد حنا

antwn milad

انطون ميلاد حنا

كاتب وباحث ... صدر له كتاب اللغة المصرية الحديثة - دراسة وصفية

اقرا كمان ل انطون ميلاد حنا