فلسطين وصراع الهويات في مصر

مؤمن سلام

في تحليلات بتشوف إن المصريين عموما والشباب خصوصا “60% من الشعب” مبقوش يهتموا باللي بيحصل ف فلسطين ودا –بحسب التحليلات دي- راجع لتأثر المصريين بالدعاية الإسرائيلية ودعاية الحكومة المصرية اللي بتتكلم عن مسؤولية حماس عن جرايم إرهابية كتير من اللي حصلت ف مصر من اقتحام السجون ف 2011 وحتى العمليات الإرهابية ف سينا.

وبصراحة التحليل دا قاصر، من وجهة نظري، لأنه بيقوم على الرؤية الأمنية والسياسية القديمة اللي شايفة إن الأمة المصرية عبارة عن خرفان تمشيها الدعايات والدعايات المضادة. اللي بيتابع المواقف المصرية الشعبية -مش الحكومية- من القضية الفلسطينية هيلاقي إنها كانت دايما مرتبطة بصراع الهويات وطغيان هوية منهم على الباقيين.

ارتباط مصر بالقضية الفلسطينية قبل سنة 1952 كان ارتباط ضعيف بيقوم على الدعاية اللي بتطلعها جماعة الإخوان المسلمين باعتبار فلسطين قضية إسلامية وهي صراع بين المسلمين واليهود، ف الوقت اللي كانت الأحزاب والقوى السياسية التانية كانت شايفة إنه قضية سياسية، ولولا رغبة الملك فاروق ف أنه يكون ليه الزعامة ف المنطقة وتحالفه مع جماعة الإخوان المسلمين، مكانش الجيش المصري حارب ف فلسطين واتعرض للهزيمة دي من مليشيات كانوا بيسموها “العصابات الصهيونية”. وحتى بعد الحرب مسمعناش إن مصر كان ليها موقف مهم ف القضية الفلسطينية وانشغلت الأمة المصرية وقتها بمشاكلها الداخلية. ونلاحظ إن ف الوقت دا كان الانتماء للقومية المصرية كان هو الطاغي على الوعي الجمعي المصري، نضيف ليه شعور أضعف بكتير بالانتماء للأمة الإسلامية بسبب الدعاية الإخوانية وكانت الهوية العربية حاجة متذكرش.

مع انقلاب يوليو 1952 وتبني عبد الناصر للقومية العربية وبدأ يزرقها بالعاقية جوا ادمغة المصريين، لحد ماوصل الموضوع للذروة بمسح اسم مصر وتحويلها للجمهورية العربية المتحدة، بقت القضية الفلسطينية هي أهم القضايا المصرية، وف سبيلها تتصرف الفلوس حتى ولو على حساب الاقتصاد المصري المنهار، وعشانها يموت المصريين من غير حساب، وانتهى الموضوع باحتلال جزء من الأراضي المصرية بعد هزيمة 1967ز وكان دا طبيعي بعدما بقت الهوية العربية هي الهوية المهيمنة والحاكمة للمصريين كحكومة وشعب، وبقت الهويات المصرية والإسلامية هويات هامشية يخاف أصحابها أنهم يظهروها.

ومع وصول السادات للسلطة تراجعت سطوة القومية العربية، خاصة بعد الكلاش اللي حصل بينه وبين الدول القومية وعلى راسهم سوريا والعراق وليبيا بعد زيارته للقدس، لكن دا كان تراجع لصالح الهوية الإسلامية مش لصالح الهوية المصرية. عشان كده متأثرش الموقف الشعبي كتير من القضية الفلسطينية وفضل الرفض الشعبي للتطبيع مع إسرائيل بعد توقيع اتفاقية كامب دايفد. فبقت القضية قضية دينية بتمثل الصراع الأزلي بين المسلمين واليهود اللي مش هينتهي إلا بإبادة المسلمين لليهود لما يحارب الشجر والحجر مع المسلمين. وعشان كده كان في تحالف بين القوميين العرب والإسلام السياسي حوالين القضية الفلسطينية –واللي لسة مستمر لحد دلوقت- بالرغم من إن القوميين العرب مبيفكروش بنفس منطق الإسلاميين ف القضية الفلسطينية، لكن مع الوقت اتغير الخطاب العروبي وبقى جواه مفردات دينية ولحد بقوا -مع الوقت- اقرب للقوميين الإسلاميين مش العرب.

ومع غزو العراق للكويت القومية العربية اخدت ضربة ف مقتل دمرت أي احترام كان باقي ليها ف نفوس المصريين، وخلت المصريين يسألوا سؤلات كتير حوالين حقيقة القومية دي وإن كانت قومية حقيقية ولا مجرد سراب اخترعه اهل الشام بسبب صراعهم مع الدولة العثمانية عشان يخلصوا من ظلمها وقهرها؟!

ومع تعري الوشوش الحقيقية للإسلام السياسي بعد ثورات الربيع العربي، بدأت الهوية الإسلامية فإنها تفقد نشاطها وقوتها الدافعة، وبدأ المصريين يسألوا حوالين حقيقة الهوية الإسلامية دي، وإماكنية ان العقيدة اللي الانسان مؤمن بيها تتحول لهوية تحكم حياته. خصوصًا إن الهوية الإسلامية كانت عند المصريين عاطفة أكتر منها سياسات، ودا اللي يفسر سبب صدمة المصريين ف تدخل قطر وتركيا ف الشؤون المصرية واستعداد نظام الإخوان للتنازل عن حلايب وشلاتين، وفكرة إقامة وطن بديل للفلسطينيين ف شمال سينا.

مع تراجع واتكماش الهويتين العربية والإسلامية ف وعي المصريين بدأت الهوية المصرية ف الصعود عشان تحتل مركز الصدارة ف وعي المصريين. ومن المفارقات ان اللي بينافس الهوية المصرية دلوقت ف وعي الشباب المصري مش الهوية العربية ولا الإسلامية، لكن الهوية الإنسانية. لإن الهويتين المصرية والإنسانية بتتعامل مع الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، بشكل أقل تعصبًا واكتر براجماتية ف حالة الهوية المصرية، واكتر رومانسية ف حالة الهوية الإنسانية.

فمن الناحية المصرية، بقينا نوزن الموضوع بميزان المصلحة المصرية والأمن القومي المصري ومش المصلحة العربية أو الأمن القومي العربي ولا بميزان “الحرام والحلال” و”تحرير الأقصى فرض على كل مسلم”، الميزان هنا بقى سياسي مش أيديولوجي، فاللي بيهدد الأمن القومي هنا هو العدو حتى لو كان عربي مسلم، واللي بيحقق المصالح المصرية هو الصديق بغض النظر عن جنسيته وعقيدته، دي السياسة البراجماتية.

أما الشباب المصري صاحب الهوية الإنسانية، الموضوع بالنسبة له رومانسي أكتر، وعشان كده ممكن رؤيته تتقابل ساعات مع الرؤية الفلسطينية ف حالة انتهاكات حقوق الإنسان اللي بتمارسها إسرائيل ضد الفلسطينيين، بس برضه ممكن تتقابل مع الرؤية الإسرائيلية ف حالة قتل ومهاجمة المدنيين الإسرائيليين ف تفجيرات انتحارية تستهدف أماكن مش عسكرية، لأنهم برضه بيرفضوا انه يتقتل طفل إسرائيلي زي مابيرفضوا قتل طفل فلسطيني، بيرفضوا قصف منازل المدنيين الفلسطينيين زي مابيرفضو تفجير نايت كلاب أو مول أو أتوبيس إسرائيلي.

فأيان كان المعيار عند القوميين المصريين هو مصالح مصر الحيوية وأمنها القومي، فالمعيار عن الإنسانيين هو الإنسان سواء فلسطيني أو إسرائيلي. عشان كده فالتحول ف موقف الشعب المصري من اللي بيحصل ففلسطين، ملهوش علاقة لا بالدعاية الإسرائيلية ولا الحكومية المصرية، لكنه تحول نتيجة تراجع الهويات العربية والإسلامية قدام الهوية المصرية والإنسانية، اللي خلى موقف المة المصرية بقى عقلاني وإنساني اكتر، ومبيستجيبش للخطابات العاطفية الغوغائية، ويدعم السلام بين الشعبين.

ممكن ترجع لأصل المقال من هنا

فلسطين وصراع الهويات في مصر

مؤمن سلام

mo`omin cellem

مؤمن سلام

• بكالوريوس علوم سياسية - جامعة الاسكندرية • كاتب ومدير موقع حركة مصر المدنية • له كتابين على الانترنت "العلمانية ببساطة" و"الليبرالية ببساطة"

اقرا كمان ل مؤمن سلام