عن الحوادث الإرهابية.. مواطنين أم رعايا؟!!

يوم السبت كان في هجوم إرهابي على اتوبيس رايح دير الأنبا صموئيل اللي ف المنيا وقبله عربية نص نقل مودية عمال لنفس الدير وبرده ميكروباص كان رايح نفس الدير. عدد الشهداء كان كبير، وعدد ضخم منهم أطفال، ودا كانت اكتر حاجة حزّنت الناس ف الحادث دا، في ناس كتير من المسيحيين ومن المسلمين عبّروا عن حزنهم وغضبهم ورفضهم للي حصل. المرة دي انا عاوز اركز على ردود فعل المسيحيين، هم ليه متضايقين؟؟؟؟

انا كمسيحي، كان واضح بالنسبة لي، من ساعة ماوعيت ع الدنيا وبدأت اروح الكنيسة، ان الكلام كان دايما عن اننا “ولاد الكنيسة” وإن دا مش وطننا إننا “لينا وطن تاني” هو السما –كان في ترانيم بتتنطع بالمفهوم دا ولسة بتتذاع ف القنوات الدينية لحد دلوقت، وبالتالي مينفعش نتمسك بأي حاجة أرضية ونبني لوطننا الأصلي “السما” طول ما احنا عايشين على الأرض.

زمان، كانوا بيدرسولنا ف مدارس الأحد إن الاستشهاد دا حاجة عظيمة، ويذكروا قصص الشهداء، اللي منهم أطفال، بكل فرحة، ويتكلموا عن الأم دولاجي، اللي سلمت أولادها للاستشهاد، على انها ام عظيمة وبتفهم لأنها خلت اولادها ينالوا اكليل الاستشهاد. والسؤال هنا، طالما الاستشهاد دا عظيم اوي كده، وطالما اننا وطننا “السما” مش الأرض، زعلانين ليه؟؟؟؟ المفروض -لو احنا اتساق مع نفسنا- نفرحلهم!! لانهم اخدوا اكليل الشهادة، وبالتالي مينفعش نزعل من المسلحين اللي قتلوهم، دا احنا نشكرهم، ومينفعش كمان نوصمهم بالألفاظ السيئة، زي ارهابيين مثلا، لان ف الواقع هم ماراهبوش حد، دول وصلونا لوطنا، حد يكره انه يرجع لوطنه!!!!!

الأطفال اللي ماتوا امبارح، زيهم زي الشهيد أبانوب وأولاد الام دولاجي، كانوا أطفال واستشهدوا لانهم مسيحيين، ليه نفرح لدول ونزعل لدول؟! ليه الازدواجية دي؟!! ف الواقع لو كان ابانوب واولاد دولاجي، كانوا ماتوا قدامنا برضه كنا هنزعل، بس اللي حصل انهم ماتوا قبل ما احنا نتولد بقرون، وبالتالي اللي حصل هو ان الكنيسة ربطت –جوا عقولنا- قصص موتهم بالفرحة، ولاننا مختبرناش الموقف بنفسنا فصدقنا الفرحة الوهمية دي، نفس القصص دي لما اتكررت قدامنا زعلنا وعبرنا عن غضبنا وحزننا ووجع قلبنا، وقولنا يارب، زي ما بيحصل دلوقت.

الازدواجية دي هي اللي خلت، اكتر من حد من اللي بيتكلموا عن الاستشهاد، ميتصرفوش تصرفات تتسق مع أفكارهم عن عظمة وحلاوة ومتعة الاستشهاد، وراحوا يستشهدوا مع ان الفكرة متنفذة ف اكتر من مكان، ف العراق وسوريا والعريش، ولما تيجي تكلمهم يقوموا يقولولك الاستشهاد ليه اكتر من شكل. لا، الاستشهاد –من وجهة النظر المسيحية- ليه شكل واحد، هو انك تتقتل على اسم المسيح، لكن لما تتعامل بدنائة وطائفية ف شغلك وف الشارع بتاعك لانك مسيحي، دا معناه تمييز طائفي مش استشهاد خالص، ولما تبقى واضح وصريح مع الناس وتتكلم بكل ثقة وايمان انك مسيحي، دا معناه شجاعة، دي مرحلة من مراحل الاستشهاد المسيحي ف الفكر القبطي، لكن مش هو الاستشهاد، عشان تستشهد فيه مراحل لازم تعدي عليها. مينفعش نقول على الجبنة البيضا انها فلامنك، لمجرد ان اسم الجبنة الفلامنك عاجبني وانا مش قادر اجيبها ومقداميش غير الجبنة البيضا، البيضا بيضا والفلامنك فلامنك.

دا كمان لما تم تفجير كنيستين، كشافة الكنايس ابتدت تنسق مع وزارة الداخلية وعملوا اجراءات أمنية كبيرة…!!!! ليه مش الاستشهاد دا عظيم ويابخته اللي يدوق متعته!!! طب ماتسيبوها مفتوحة والمسلحين يجوا يقتلوا اللي ف الكنايس وبكده يكون المسيحيين يكونوا شافوا متعة الاستشهاد اللي طول الوقت بتكلموهم عنها، ونبقى ساعتها متسقين من روحنا واتعالجنا من الازدواجية دي.

اعتقد ان رفضنا كمسيحيين للأحداث ممكن يكون راجع لبقايا حب الحياة اللي كانت موجودة ف حضارتنا القديمة، ودي ماهي الا ازدواجية جديد، لان حب الحياة مش ابلكيشن هتحطوا ف دماغك ويمشي مع بقية الابلكيشنز والتطبيقات والبرامج عادي من غير اي مشاكل، لا، دا منظومة كاملة، لو مش قدها، متقربش منها، حب الحياة هو القدرة على انك فعلا تتذوق الحياة دي، مش تفضل تتفرج عليها من ورا الازاز وتقول “انا ليا وطن تاني” وتفضل طول عمرك متعشم بمتعة انت حتى مش عارف ايه هي.

التصرف دا ناتج عن انهم شايفين الحياة من ورا ازاز ضخم عازل عنهم اي مباهج للحياة، هم فعلا نفسهم فيها، وبالتالي طالما انت مش قادر تجود اسلوب حياتك وتجرب مباهج الحياة اللي انت بتتضايق منها لما حد من بني طايفتك يموت، زعلان عليها ليه اصلا؟!!!!!

الازاز الكبير المقيت الكريه دا عبارة عن كذا طبقة وكذا تحدي وكذا عازل، التقاليد اللي لحد دلوقت مش قادر استوعبها، فعليا احنا اللي بنخترع التقاليد، واساسا التقاليد دي كانت مهمة جدا لفترة معينة، وهي فترة عدم الوعي الكامل بكل تصرفاتنا ونتايجها، فطبيعي اننا نخترع التقاليد عشان نقدر نحافظ على رتم المجتمع، وعشان نقدر نوصل للأجيال اللي بعدنا اسلوب الحياة السليم لان بكل بساطة احنا معندناش اوبشن تاني، لاننا منقدرش نجرب ونعرف اللي مابين السطور وردود فعل كل تصرف. لكن دلوقت احنا قادرين –بالعلم وحده ولا أي شيء آخر- نفهم الدوافع ورا كل تصرف، وايه اللي هينتج عن التصرف دا من محاسن وشرور، وساعتها نقدر نقدم دا للناس ونسيبهم يختاروا الأفضل ليهم، وبالرغم من ان دا بيحصل ف العالم كله، ومنهم مجتمعات ارثوذكسية زي روسيا واليونان، الا ان دا مبيحصلش خالص عندنا.

العازل التاني هو رجال الدين، رجال الدين ف المسيحية جم عشان يساعدونا على ممارسة الطقوس وتنظيم امور حياتنا الدينية، لكن ف مصر، الموضوع تحول لانهم بقوا الاوصيا علينا ف كل حاجة، وهنا تحولنا من مواطنين لرعايا. خلينا افكركوا بموقف بسيط، هو ايه اللي بيعاني منه المواطن المصري المسيحي ف بلده؟ الوظايف … ف مصر في وظايف كتير المسيحيين ممنوعين منها، الشحن الطائفي اللي بيتعلم ف الجوامع والشوارع، الرفض المجتمعي… اعذروني … آه … في رفض مجتمعي لينا كمسيحيين ف مصر، دا بيحصل لما يتقلنا ياكفار والناس اللي ترفض تسلم علينا دا غير بقى دعايا التخوين وما الى ذلك، وطبعا لو حطينا العنصرين اللي فاتوا طبيعي نلاقي العنصر التاني طالع لوحده وهو الاعتداءات البدنية واللفظية علينا وعلى أولادنا، تعقيدات بنى الكنايس، اهملنا تاريخنا ف المدارس.

السنة اللي فاتت، 2016، ابتدا كلام يطلع حوالين ان الحكومة عاوز تنهي العنف الطائفي ض المسيحيين ف مصر، فراحت للكنيسة والكنيسة ساعتها اتفقت مع الحكومة على خروج قانون بنى الكنايس للنور، بس!!! آه بس… كل المشاكل اللي انا لسة قايلها محدش جاب سيرتها خالص، مع ان بنى الكنايس مش اكبر مشاكلنا ولا حاجة ولا هتأثر ف مسيرتنا اليومية كمواطنين، دي مجرد مشكلة واحدة بس، لكن الكنيسة والدولة باقتدار اختذلوا كل همومنا ف مجرد بنى الكنايس. شباب مسيحي كتار اتكلموا عن بقية المشاكل لكن محدش سمعلهم. والسؤال هنا؟ هل الحكومة والكنيسة هنا بيعتبرونا رعايا ولا مواطنين؟ لو احنا مواطنين فعلا مكنش يبقى في تدخل من الكنيسة ف الموضوع دا خالص، لان دا شأن مواطنين مصريين كطرف، مع مواطنين مصريين والدولة كطرف تاني، لكن لان الكنيسة عاوزة تحافظ علينا كرعايا عشان متفقدش نفوذها قدام الدولة مكنش ينفع تخلينا نشوف حقوقنا.

طيب ايه الحل، التاريخ بيوضحلنا إن لما السلطة الحاكمة ف فرنسا تعنتت قدام مطالب الشعب كان نتيجتها قتلهم، قتل الطبقة الحاكمة وفنائهم، ولما الطبقة الحاكمة ف بريطانيا استجابت لمطالب الشعب او بالأصح النبلاء، عاشت. وهنا ان مش بلمح لأي حاجة غير إن استجابة الطبقة الحاكمة من عدمه بيأثر عليهم هم واحدهم، لو استجابوا هيعيشوا لو مستجابوش هيموتوا اما معنويا او فعليا، دا التاريخ اللي بيقول، يعني ف كل الحالات مطالبنا احنا مش هينفذها غيرنا إحنا، واحنا بس، وهم كل اللي يقدروا يعملوه انهم يحفاظوا على نفسهم او يستنوا دورهم ف المقصلة، وطالما محدش مننا بيتحرك يبقى مهما ان حصل المطالب دي مش هتتحقق.

مقدمناش غير حلين، ياإما نبقى مواطنين وتصرف على الأساس دا، نرفض الاعتداءات الطائفية، نرفض هيمنة الكنيسة واقصاءنا لصالحها، نتعامل مع بلدنا على إنها وطننا فعلا، مش مجرد فندق قاعدين فيه شوية عشان بعد كده نرجع لوطننا “السما”، وبناءً عليه فلازم نبنى ونعمر ونحارب عشان بلدنا. أو إننا نبقى رعايا، نستنى كلمة الكاهن او البابا نقول وراه امين من غير مناقشة، وندافع عنهم من غير مناقشة او فهم زي خرفان المرشد بالظبط، نستنى طلة الريس علينا كل عيد بفرحة وابتهاج كما لو كان دا كل امنينا، منسعاش لأي تجربة او اعمار او دعم لأي فئة من فئات المجتمع، زي مثلا النوبيين والبهائيين والملحدين واليهود، على فكرة هم مواطنين هم كمان، وبالتالي فانتو كمواطنين لازم تقفوا معاهم والا هتتبلعوا انتو الاتنين.

انطون ميلاد حنا

antwn milad

انطون ميلاد حنا

كاتب وباحث ... صدر له كتاب اللغة المصرية الحديثة - دراسة وصفية

اقرا كمان ل انطون ميلاد حنا