انهيار المنظومة الأبوية ف مصر

مؤمن سلام

الثقافة المصرية صفتها الأبوية (البطريركية)، يعني المجتمع المصري بيقوم على ترتيب هرمي بيسيطر فيها الذكر الأقوى على اللي حواليه برضاهم وخنوعهم للتسلط دا بطريقة مفيهاش أي عقل ومن غير أي سبب موضوعي. والقوة هنا مش معناها القوة الجسمانية .. بالعكس دا ممكن تلاقي صاحب العضلات خاضع وتابع بكل رضا للي أضعف منه جسمانيا، لان غالبا القوة دي مستمدة من مصادر غير عقلانية، عاطفية أو دينية أو وراثية أو تقليدية، زي الخضوع لرجل الدين بس عشان هو رجل دين، أو الخضوع للأكبر سنا عشان بس هو كبير ف السن، أو الخضوع للأقدم ف الشغل عشان بس هو اتوظف ف الشغل بدري عنك، والخضوع لشيخ القبيلة أو كبير العيلة بس عشان التقاليد بتقول كده، وخضوع الست للراجل بس عشان الدين والعادات والتقاليد بتفرض كده، وعلى كده الحال ماشي ف المجتمع كله.

والمنظومة الأبوية دي بطبيعتها ضد الحداثة وقيمها اللي بتقوم على الحرية والعقلانية والفردانية، لإن المنظومة الأبوية بتقوم على التبعية اللاعقلانية الجماعية. ودا اللي بيفسر فشل كل ثواراتنا وكل تجاربنا ف النهضة من أيام محمد علي ولحد دلوقت، لإننا كنا دايما في صراع مع التجليات السياسية للمنظومة الأبوية دي وهي الاستبداد والأصولية والمركزية. ولإننا عمرنا مااشتبكنا مع الثقافة المؤسسة للثالوث المقفول المسيطر، استوردنا منتجات الحداثة من غير مانستورد قيمها، وثورنا على الاستبداد السياسي من غير مانثور على الاستبداد الديني واستبداد المتجمع، وحاربنا الأصولية الدينية ف شكلها الجهادي من غير ما نحارب الأصولية الفكرية أو الأصولية القومية (العربية)، وكنا دايما بندافع عن المركزية وسيطرة الرئيس والزعيم أو كبير العائلة أو شيخ القبيلة على حياتنا الخاصة والعامة.

بس المنظومة الأبوية دي خدت ضربة جامدة وكبييرة ف 25 ينايير والفوران اللي بعدها، لإن اللي حصل هو إن المنظومة ابتدى يتم تفكيكها عشان نخلص منها خالص ودا اللي يبشر بأن مصر هتدخل عصر الحداثة، بعد كفاح 210 سنة فضلنا ندور فيها ف دايرة مفرغة واحنا بنحاول إننا منهدمش المنظومة المقفولة المستبدة، فمعه انتفاضة يناير ولحد النهاردة انقسم المجتمع لمجموعتين الشباب واللي نسبتهم 60% من السكان والكبار اللي نسبتهم 40% بس، الشباب عاوز العيش والحرية والعدالة الاجتماعية والكرامة الانسانية والدولة المدنية، والكبار عاوزين انهم يحافظوا على الصضع الحالي بهدف الاستقرار وبسبب انهم خايفين من التغيير اللي مش عارفين هيوديهم لفين، فوقفوا فوش ولادهم، ومن هنا جه التمرد على السلطة الأبوية ف شكلها الاجتماعي، دا غير التمرد على السلطة الأبوية ف شكلها السياسي، والتي بتبان ف الجملة المشهورة اياها “اعتبره ابوك” و”حد يعمل ف ابوه كده” والمقصود هنا بالأب هو رئيس الدولة سواء كان “مبارك” ولا “العياط”، ومننساش كبير العيلة المصرية “السادات”، ومن قبله “ناصر” اللي قال عنه كل اللي بيحبوه “حسينا باليتم بعدما مات”. ولازم نوضح هنا إن مش كل الشباب ثوري أو إصلاحي ولا كل الكبار محافظين، لإننا هنلاقي شباب محافظ جدا واللي أولهم الشباب اللي بيبوس ايدين رجال الدين المسلمين والمسيحيين أو ايدين قياداتهم السياسية من جماعات الإسلام السياسي. ومن ناحية تانية فيه كبار عندهم رؤية ثورية ورؤية إصلاحية حداثية أكتر من أي شاب محافظ أصولي، يعني الكلام كان عن الأغلبية من الناحيتين.

تفكيك المنظومة الأبوية بيبان برضه ف الرفض والهجوم الجامدين والتمرد علىا الكهنوت الديني اللي هو الأزهر والكنيسة وجماعات الإسلام السياسي. ودا لإن المصري عرف إن المنظومة الكهنوتية اللي تبع السلطة أو اللي بتعارضها، هي جزء من المشكلة ومؤسسة وبتحمي للاستبداد السياسي وعشان نتخلص من الاستبداد السياسي لازم نتخلص من الاستبداد الديني والقضاء على سلطة رجال الدين.

والشباب، ف التمرد والثورة على السلطة الأبوية، بينقسمو لقسمين:

قسم واعي ومدرك للتمرد والثورة دول، وهو القسم اللي مكتفاش بالخلاص من السيطرة الأبوية بس، دا كمان بيجاهد عشان يفككها ف المجتمع كله من خلال نشر الوعي والثقافة ونشر قيم الحرية والعقلانية والفردانية ف المجتمع.

وقسم تاني مش واعي بالتمرد دا وهو الشابا المش مثقف اللي مشغول بس بحياته الشخصية، والنوع دا بيتمرد بسببب المشاكل اللي بيصادفها، تمرده بيجي بسبب الإحباط واليأس وإنه معندوش أي أمل ف إنه يحصل تغيير يخليه مواطن مصري ليه حقوق وعليه واجبات، شباب معندوش امل غير ف إنه يسيب مصر ويطلع على أوروبا أو امريكا. النوع دا تمرد بسبب فقدان الثقاة والاحترام ف اللي كان بيعتبرهم نموذج يمشوا عليه، فالمدرس وقع من نظرهم بعد ما اتبدا يمد ايده عشان ياخد اجرة الدروس الخصوصية، والأب وقع من نظرهم بعد مابقاش يقدر يصرف عليهم، ووقع رجل الدين من نظرهم بعدما اكتشفوا جهله وفشله ف حل المشاكل اليومية، ووقع الزعيم من نظرهم بعدما شافوا فساده وغباءه، المنظومة كلها وقعت من نظرهم فبقوا يحتقروها ومش شايف إنه لازم أنه يسمع كلامهم.

ويمكن دا هو السبب ف أزمة النظام السياسي المصري مع الشباب، لإن النظام متخيل إننا لسة ف 1954 ، اللي فيها ممكن الزعيم بكلام زي العسل وشوية وعود، مع حبة تطبيل إعلامي وتسويق ديني للوعود دي، مع حملات أخلاقية لإنقاذ المنظومة الأبوية من إنها تنهار، فيسمع الشباب لكلام الزعيم الطاهر اللي مبيكدبش، ويخرجوا يهتفوا بحيات. العصر دا راح ومش هيرجع تاني.

إحنا دلوقت قدام شباب إما واعي، ودا مش هيقتنع بأي حاجة غير العيش والحرية والعدالة الاجتماعية والكرامة الإنسانية والدولة المدنية، أو شباب محبط ودا مش هيصدق أي كلام غير لما يشوفه واقع قدامه ويلاقي مستواه المعيشي اتحسن ورفاهيته زاد مستواها وبقى يقدر إنه يعيش كرامته متصانة فميتاهانش بسبب الفقر أو القهر أو المرض.

المنظومة الأبوية ف مصر بتنهار ومصر الديمقراطية الحديثة جاية.

ممكن ترجع لأصل المقال من هنا

مؤمن سلام

mo`omin cellem

مؤمن سلام

• بكالوريوس علوم سياسية - جامعة الاسكندرية • كاتب ومدير موقع حركة مصر المدنية • له كتابين على الانترنت "العلمانية ببساطة" و"الليبرالية ببساطة"

اقرا كمان ل مؤمن سلام