المعلم أووجواي وسر السعادة

“There is just news…

…there is no good or bad”

معرفش مين فيكو اللي شاف فيلم “كونغ فو باندا” الجزء الأول، بس اللي مشافوش أنصحه إنه يشوفه. في مشهد في الفيلم، شيفو (شيفو يعني معلم)   بيقول لأووجواي “أنا عندي خبر وحش جدًا”، فأووجواي قاله “هي أخبار وبس، مفيش أخبار حلوة أو وحشة”. السؤال اللي دار في دماغي ساعتها، هو السيناريست لاقى نفسه مش عارف يكتب ايه فكتب دا عشان بس يطول في الفيلم ثانيتين كمان؟ ولا هو فعلا يقصد حاجة؟

الأخبار أساسها فعل أو شيء جديد، فهل اووجواي (بشكل أدق السيناريست اللي كتب الفيلم) يقصد إن الفعل مبيحتويش في ذاته الخير أو الشر؟

خلينا ناخد أمثلة، أنا دلوقت كنت قاعد مع واحد صاحبي بنهزر وراح قال كلمة اتنرفزت انا بسببها فاتخنقت معاه وقتلته، أو كنت قاعد مع صاحبي بنلعب طاولة على المشاريب (في ناس بتعمل كده فعلا؟؟!!) واكتشفت انه بيخمني فاتخانقت معاه وضربته فقتلته، أو أنا كنت ماشي بالليل طلع عليا  بلطجي وهجم عليا فضربته قتلته، أو إني كنت في الجيش وحصلت حرب أو أحداث عنف وأمرونا بالتدخل وساعتها قتلت ناس.

قبل ما نقول أي حاجة، لازم نفصص الأحداث الأربعة دي:

الفعل المجرد من أي توصيف في الحالة الأولى اشتباك ثم قتل والفعلين نتيجة غضب

وفي الحالة التانية اشتباك ثم قتل والفعلين نتيجة غضب

وفي الحالة التالتة اشتباك ثم قتل نتيجة خوف اللي هو رد فعل عن هجوم

وفي الحالة الرابعة اشتباك وقتل نتيجة أمر عسكري

إحنا بنسمي الحالتين الالى والتانية قتل وبيعاقب عليهم القانون. وبنسمي الحالة التالتة دفاع عن النفس، باتحاكم آه، بس على حسب معلوماتي بطلع براءة او باخد سنة مع إيقاف التنفيذ. وفي الحالة الرابعة بنسميها بطولة وباخد عليها نايشين أو شهادة تقدير. لو لاحظنا هنا إن كل الأحداث دي اشتركت في حاجة واحدة هي إن في أرواح أزهقت، لكن إحنا سميناها تسميات مختلفة وكمان ردود أفعالنا ناحية الأفعال دي مختلفة. التسميات المختلفة هنا هي نتيجة وعينا باختلاف قيمة الفعل، واللي بتحددها ظروفه ونيات الفاعلين. والتسميات المختلفة ماهي إلا إعلان غير مباشر لاختلاف الواقع باختلاف الظروف بالرغم من ان الفعل واحد.

نرجع لفيلم “كونغ فو باندا”، الحوار بيستمر بين شيفو وأووجواي فأوجواي بيعرف أن شخص حقود جدا وقدراته القتالية عالية هرب من السجن وجاي عشان ينتقم من البلد كلها فقال “دا فعلا خبر وحش”، طب ايه؟ هو بيناقد كلامه؟ لا، لان لما بتعامل مع الأخبار والأفعال لازم اتعامل معاها بشكل مجرد، فلان بيشرب، يبقى فلان بيشرب، هل هنا فلان بيعمل حاجة غلط؟ معرفش ومليش دعوة. لكن في حالة الشخص المنتقم اللي هرب، فأووجواي عارف خطورته وعارف إنه هيجي وينتقم، فهنا كان لازم يحدد أن دا خبر وحش عشان يحذر الناس منه.

طيب إيه اللي بيحصل هنا دلوقت،  زي ماوضحنا إن التسميات المختلفة لنفس الفعل هي إقرار غير مباشر بأن الأحداث هنا مختلفة وبالتالي اختلاف البعد الاخلاقي للفعل أو الحدث. الكارثة اللي ابتدت تحصل إن الناس ابتدت ترسخ أبعاد محددة للأفعال، وبالتالي ابتدوا يتعاملوا مع الأحداث ومع الأشخاص الفاعلين للأحداث بشكل مشوش، زي ما كريشنامورتي قال في كتابه “التأمل” لما بنبتدي نبص للأحداث والأشخاص من خلفيات مسبقة بتبدي منبصش للأحداث والأشخاص دول، إحنا كده بنبص للأحداث والأشخاص القدام اللي على أساسهم إحنا بنينا الأحكام دي.

طيب ندي أمثلة واضحة على دا، واحدة بتمتهن مهنة الرقص، “رقّاصة” يعني، تبقى ايه؟ واحدة هنا الفعل الرئيسي اللي بتقوم بيه عشان تاكل عيشها هو فعل “الرقص”، مش محتاجين نتكلم اساسًا  في النقطة، كلمة رقاصة لوحدها  تغني عن أي شرح، كلمة لها كمية من المدلولات السيئة والمهينة عند الشعب المصري. ليه؟ لأن المجتمع ربط مابين فعل الرقص وسلسلة من الأفعال وردود الأفعال اللي مش شرط تكون حاصلة وبالتالي حكم أخلاقي غير عادل. زي إن الرقاصة بتبيع جسمها “سمعتها من كتاب ومفكرين كبار آه والله”، وإنها بترقص عشان تثير غرايز الجمهور. طبعا دا غير القصص الأسطورية إياها بتاعة  الرقاصة اللي بعد ما بترقص في الفرح بتنام مع كل الرجالة اللي حضروا الفرح، مع تعميم دا على كل الرقاصات. لحد ما بقت كلمة رقّاصة مرادف للدعارة. والسؤال هنا هل كل الرقاصات كده؟

الفعل واحد هنا، واحدة بترقص بحركات محددة، طبيعي ماهي نفس الرقصة، تقريبًا كلهم بيعلموها، لكن هل كلهم بيقصدوا نفس الغايات؟

يعني هل مثلا ممكن نساوي فريدة اللي من فرقة رضا، بواحدة من البنات اللي بيشتغلوا في الدعارة تحت سمى إنهم رقاصات؟  لا طبعا مينفعش، يبقى ظلم مننا إننا ناخد العاطل بالباطل.

طب هل وجود الفئة دي من البنات داعي لإني أقول إن مهنة الرقص الشرقي هي دعارة؟ طيب أنا دلوقت صحفي وبألف كتب، في واحد تقريبًا بيقوم بنفس الأعمال اللي أنا بعملها، برضه “صحفي” و”بيألف” كتب، هو “م.ب” المشهور، طبعا معروف كمية الت**يص” اللي بيعمله ومدى العهر اللي بيقدمه، هل معنى ذلك إن أنا برضه كده؟ أو إن المجال دا كله كده؟ مينفعش طبعا إننا نقول إن كل صحفي هو “م.ب” ومينفعش إننا نقول إن المجال الصحفي كله دعارة لمجرد إن فيه ناس زي “م.ب”، وبطبيعة الحال مينفعش إننا نقول إن كل رقاصة هي ست مش شريفة لمجرد إنها بتشتغل في مجال فيه ناس مش شريفة.

طب هل كل الرقاصات مش شريفات؟ هل لأن تحية كاريوكا رقاصة يبقى نردم على تاريخها في مقاومة الاحتلال الإنجليزي؟ تبقى وطينة مننا مفيش كلام.  طب هل لأن تحية كاريوكا ناضلت ضد الإحتلال الإنجليزي يبقى دي مقاومة نجسة؟! هنا بقى لازم نفهم، هو ايه اللي بيدي الشرف للحدث؟ الفعل؟ ولا النية؟ ولا الفاعل؟ ولا النتيجة النهائية؟ كانت إيه هي الغاية من مقاومة الاحتلال الإنجليزي؟ مش إن الانجليز يخرجوا من البلد؟! هل هي كان ليها غرض تاني؟؟!!

هل لآن سعد زغلول كان خمورجي (الله أعلم كان خمورجي ولا دي من الإشاعات اياها) يبقى فاسق؟! هل لإنه خمورجي يبقى مكنش فعلا بيسعى لتحرير البلد من الإنجليز؟!

إسلام البحيري، بحسب كل اللي بيتعابعوه بعد خروجه من السجن، ابتدا يقلل من الكلام عن الصحابة وبيركز كلامه عن التفسيرات الخاطئة للقرآن والحديث، هل دا تع**يص؟ وهل لو دا تع**يص يبقى بالضرورة غلط؟

مش كل واحد مسك قلم أو اشتغل إعلامي بقى “م.ب”، ولما إسلام البحيري قرر يغير أسلوبه في الكلام دا مش غلط، هو بس فهم حدود قوته وحدود قوتة اللي قدامه وقرر يغير من أسلوبه عشان يقدر يوصل للهدف النهائي بتاعه.

وبناء عليه مش لما تشوف واحدة لابسة لبس مكشوف ولا ضيق، يبقى لا هي  منحلة ولا عاوزة الرجالة يتحرشوا بيها ، ولا كده هي متحضرة، هي مجرد واحدة لابسة لبس مكشوف أو ضيّق، لا أكثر ولا أقل. ولو واحد راح يتعرف على واحدة، دا يبقى واحدة رايح يتعرف على واحدة لا بيشقط ولا متحرش ولا هو منسون ولا هو بتاع بنات، ولما تشوف اتنين بيرقصوا يبقوا اتنين بيرقصوا، لا هو بيتحرش بيها ولا هي منحلة وقليلة أدب.

إننا نحط أنماط معينة لكل فعل ولكل مهنة ولكل شخص، دا نابع من خوفنا من التحرر من التنميط لإننا خايفين دايما إنن نكون مش متحصنين، خايفين من إننا نجرب كل مرة من أول وجديد. بس الحقيقة التنميط دا بيخلينا منشوفش الناس على حقيقتها ومنشوفش الأحداث والأفعال على حقيقتها، وبالتالي ناخد قرارات غلط وتفضل حياتنا ماشية غلط، الحل ايه؟! تحرر من كل الأنماط والأحكام المسبقة ناحية أي فعل أو أي مهنة او أي مجال أو أي شخص، ساعتها هنشوف الدنيا على حقيقتها، وساعتها ممكن نبقى سعدا.

انطون ميلاد حنا

antwn milad

انطون ميلاد حنا

كاتب وباحث ... صدر له كتاب اللغة المصرية الحديثة - دراسة وصفية

اقرا كمان ل انطون ميلاد حنا