الحرية.. حيطان من غير أسوار

الحرية مفهوم متعدد التعريفات. مفهوم الحرية ارتبط بالثورات على السلطة ونسينا مفهوم الحرية المتعلق بالثورة على النفس، ومتهيألي إن أكتر مفاهيم الحرية اللي غايبة عننا هو مفهوم التحرر من سجون العقل، وهو إننا نبني بأفكارنا سجون لنفسينا وترفض عقولنا إنها تتحرر من أفكار قديمة اتربينا عليها ويمكن مش ماشية لا مع الزمان ولا المكان اللي احنا عايشين فيه لكننا بنتمسك بيها قدام حريتنا. فالنتيجة إننا بكل حرية نختار إننا منكونش احرار ونحاول كمان نفرض عدم الحرية على الناس التانية.

في ناس بيختاروا العبودية بنفسهم، ممكن تكون العبودية مُهينة لإنسانيتنا، لكننا بنشوفها تكريم لأدميتنا، ممكن العبودية تكون ف نقلد شخص معين سيرته عنيفة ومقرفة لكننا مُصِّرين إنه بوصلة الأخلاق، ونفضل ندور على مبررات أخلاقية لتصرفات دموية، ممكن تكون برضه عبوديتنا بيهنونا طول الوقت واحنا مصممين انهم بيحبونا بالرغم من إهناتهم وخيانتهم المستمرة لينا، ممكن تكون العبودية برضه هو ارتباطنا بناس قلوبهم وتصرفاتهم حجر، لكننا بنشوفهم الأمان اللي مش هنلاقيه تاني لو اتحررنا منهم.

وبالرغم من كل المفاهيم الفلسفية دي، لكن مفهوم الحرية السايد هو إنك متكونش مقموع، على الأقل ف الاختيارات الأساسية، ولأن الحرية شارع لو اتجاهين فلازم تعرف إنه مينفعش تتوجع من القمع ف نفس الوقت اللي تبقى عاوز فيه انك تقمع التانيين تحت مسميات الأخلاق أو الدين أو الوطنية أو مجتمعتنا المحافظة.

لما بنتكلم عن الحرية عادة دماغنا بتروح للحرية من السلطة والتسلط، لكننا مبنهتمش بشكل كافي للحرية من القوالب اللي بيفرضها علينا المجتمع، المجتمعات مش بتتعاطف مع اللي بيخرج عن طوعها، ومبترحمش اللي بيعلن عن اختلافه وخروجه عن طوعها.

أنك تعبر عن أفكار مختلفة أو أنك تاخد طريق مختلف عن الجموع مهما إن كان الاختيار بسيط بيُعتبر خروج عن الأغلبية، والمجتمع بيبص لها بشكل قاسي،
الاختيار المختلف سبب كافي عشان يدفنوك حي والعادي إن دا يتطبق على الرجالة والستات، لكن الستات هم اللي بيعانو اكتر من الثقافة الصحراوية دي.

الخوف هو أكبر سجن للحرية، الخوف من المجتمع ومن التبعات ومن الحياة من غير أصحابنا اللي مبيحترموش قراراتنا وميدعموش حرية خاتيارتنا، لانهم بيدعموا اختيارتنا بس إا كان ماشي مع القيم والمبادئ اللي اتفقوا عليها ضمنيًا أو بصراحة، وعشان كده هنلاقي إن كلام الرئيس الأمريكي روزفلت (1882-1945) منتشرة جدا، هو قال “إن أكبر مخاوفنا هو إننا نعيش ف خوف”.

اللي بيخرجوا عن القوالب… اللي بيشذوا عن المجاميع، ممكن يكونوا عارفين إن حريتهم مرهونة بالتصالح مع النفس وعدم نفاق المجتمع مهما اتهمهم المجتمع بالكفر والفسوق والخيانة. هم عارفين إن أفكارهم هتكون مقبولة بعدين، بالظبط زي ماعمل الفيلسوف الإنجليزي برتراند راسل (1872-1970) لما حط وصاياه العشرة عن الليبرالية وقال “متخافش كون فكرتك غريبة، فكل الأفكار المقبولة دلوقت كانت غريبة فوقت من الأوقات”.

هو احنا نسينا إن خروج البنات للتعليم الجامعي ف مصر ف تلاتينات القرن العشرين طلعت له فتاوي عن اقتراب الساعة وزلزلة الأرض وغضب الرب؟ وحتى إن كانت الأفكار دي موجودة لحد دلوقت بسبب الانتكاسة الحضارية، لكن دا ممنعش ملايين البنات من إنهم يدخلوا الجامعة، طول السنين اللي فاتت، بالرغم من أنهم جايين من الريف.

ممكن يكون وصف الحرية مش سهل بالكلام، عشان كده الفن هو التعبير الأمثل عن الحرية، سواء باللوح أو التماثيل وهي وسيلة عابرة للقارات والحضارات والثقافات واللغات، وعادة فإن الفنون دي بتعبر عن الحرية باستخدام رموز لإيدين بتفك قيود، أو إيدين رايحة ناحية السما على أساس عن السما رمز الحرية، أو إيدين شايلة شعلة نور.

السما والإيدين الحرة ومشاعل النور كانوا رموز الحرية وكانت الأسوار من رموز السجن والقهر، وهنا بانت عبقرية منحوتة الحرية واللي معروفة عالميًا باسم sculpture breaks free الفواصل بتكسر الحرية، وهي عبارة عن أربع منحوتات لشخص واحد فمراحل التحرر المختلفة، المنحوتة الأولانية جوا حيطة أو سور، والتانية لنفس الشخص بعد ماطلّع راسه واكتافه برة الحيطة وإيديه متغلغلين، وف المنحوتة التالتة قدر الشخص إنه يمد إيده برة الحيطة وهي حرة ف إشارة للتحرر من القوالب اللي بتخلي حريتنا رهنًا للقيود، لإن الحرية هي التحرر من القوالب اللي اتفرضت علينا واتحطت حوالينا، والحيطان اتضح إنها مش مقيدة إلا إذا وافقنا احنا على كده، الحيطان مش سجن طول ما إحنا مبنعملشها أسوار وحواجز تخنقنا.

منحوتة الحرية موجودة فشارع من شوارع فيلادلفيا ف أمريكا، واللي نحتها الفنان اليوناني زينوس فريداكوس سنة 2000، وكأنها بتقولنا “اتحرروا من الجمود اللي بيتفرض عليكو”.

رباب كمال

Rabab kemel

رباب كمال

مذيعة بإذاعة البرنامج الأوروبي بالإذاعة المصرية تقدم النشرات الإخبارية باللغة الانجليزية وكذلك برامج عن قضايا المرأة و القضايا السياسية والثقافية صدر لها كتاب من وحي العلمانية في يناير 2016 تناولت من خلاله إشكالية الدولة المدنية والدينية ُنشر لها مقالات بالعربية والإنجليزية شاركت في مؤتمرات دولية مناهضة للإرهاب منها مؤتمر "الدين والشرعية والعنف" في الأردن 2015 ومؤتمر العلمانية في مواجهة الإرهاب في بروكسل 2016 حاضرت عن "التحول الديمقراطي والعلمانية" الذي نظمه المركز السويدي الليبرالي بستكهولم كما شاركت في مؤتمر مناهضة خطاب الكراهية في العالم العربي الذي نظمه عدد من الإعلاميين و الصحفيين العرب شاركت في فعاليات تأسيس جبهة الدفاع عن الإبداع في 2014 و التي تبنت قضية حبس المفكرين المعروفة إعلاميا بـقضايا الحسبة و ازدراء الأديان

اقرا كمان ل رباب كمال