التدين الشرق أوسطي (3)

انطون ميلاد

الإبداع ما أهم الحاجات للفرد والمؤسسة والوطن، لإن الإبداع -بالنسبة للفرد- بيكون هو من الحاجات اللي بتخليه يحس بقيمة نفسه وتزيد ثقته بنفسه، وبالنسبة للمؤسسة -الإبداع معناه زيادة انتاج المؤسسة وتفردها، وكل دا بيصب في صالح الوطن، لإن الوطن ايه عبارة عن أفراد ومؤسسات.

وبالرغم من إن المؤسسات الدينية هدفها إنها تقوي البعد الديني للفرد، لكنها بقت تختار الحل الأسهل وهي إنها تخوفهم من أنهم يخوضو تجارب مختلفة بدعوى بتحميهم من الخطية/المعصية/الذنب/مخالفة أوامر ربنا.

بالرغم إن دا في حد ذاته فيه تشكيك على قدرة المؤسسات دي على توصيل الدين للناس أو في شك من قدرة الناس على مواجهة الخطية/الذنب/المعصية، لكن المؤسسات الدينية وأفرادها مصرين على الحل دا. ودا مش مشكلتنا هنا لكن المشكلة اللي انا عاوز اناقشها معاكو هنا هو إن المتدين ف الحالة دي بيفضل محبوس جوا الإطار اللي المؤسسة الدينية وأفرادها، حسب تراثهم الثقافي، وبالتالي فمبيقدرش يتفاعل مع الحياة وخاصة مع القضايا اللي أفراد المؤسسة الدينية مطرحوهاش عليه.

الانغلاق الفكري اللي بتفرضه المؤسسات الدينية على أبناءها بيخليهم غير قادرين على الإبداع لأنهم متبرمجين على صور نمطية معينة وميقدروش يخرجو عنها فبالتالي تفكيرهم هيفضل محدود مهما إن حصل.

أنا مش بهين المتدينيين أو بأفور ف اللي بقوله، لإن مخ الإنسان بيتبرمج على أساسي المواقف اللي بتحصل فله، فكل موقف جديد بيتعرض له البني ادام، المخ –بعد مرور الحادثة- بيقوم بتصميم رد الفعل المثالي للموقف دا، وهو دا اللي بنسميه الخبرة. وطبيعي لإن المتديين بيبقى محاصر ف مواقف معينة مبيتخطهاش، فتفضل خبراته الحياتية محدودة وقاصرة على حاجات معينة. طبعا دا هيأثر على قدرته على الإبداع لإن مخه مش هيبقى فيه مفردات حياتية مختلفة نتيجة إن حياته مقفولة، فحتى إن كانت عنده موهبة فهتفضل غير مطورة. وخصوصًا إن النماذج اللي بتقدمها المؤسسات الدينية ورجال الدين بيقدموا نماذج ياإما قديمة ياإما بره منظومتنا الثقافية.

وهنا لازم نلمح لمشكلة تانية ودي بيقع فيها ف الأغلب المسيحيين الأرثوذكس والسلفيين. المسيحيين الأرثوذكس عندهم سر الاعتراف (كلمة سر بنقوله على كل طقس كنسي بيتعامل فيه كل فرد ف الكنيسة بمفرده مع السر دا) ف الطقس دا بيروح المسيحي بيتكلم فيها مع الكاهن عن أخطاءه وهو يصليله ويرشده على أسلوب يحاول ميكررش بيه الخطأ دا تاني . المشكلة بقى اللي بيقع فيها مسيحيين كتير هم أنهم بيبتدوا مع الوقت يكلمو الكاهن دا ف كل امور حياتهم … وبيلاقوا نفسهم واحدة واحدة  بيلغوا عقولهم خالص، وخاصة لو الكاهن دا من جواه ديكتاتور، وبيتحولو مع الوقت لأداة ف ايده.

السلفيين عندهم نفس المشكلة، افتكرت أول سلفي قابلته وأنا بكتب المقال دا، كنا ف اللجان الشعبية أيام ثورة 25 يناير، ساعتها كان الصبح بنتفرج على التلفزيون نعرف الأخبار وبالليل وإحنا بنراقب الطرق –ولما يكون مفيش أي مخاطر- كنا بنتناقش كل اللي بنسمعه ف الأخبار، افتكر إن زميلنا السلفي دا كان بيحكم على أي خبر بيسمعه من منطق الشيخ حسان، فلما يرفض أي خبر وميعجبوش يقول بلهجة حازمة “الشيخ حسان مقالش كده” ومكنش بيحط تفاصيل تانية زي رأيه شخصي أو تفسيره لسبب إن الشيخ حسان مقالش كده. كلمة الشيخ حسان بالنسبة له هي الشرعية لأي حاجة ف الدنيا، وبكده ..الغلبان دا لغى عقله خالص كانه نسخة تانية من الشيخ حسان. بعد كده طبعا قابلت سلفيين تانييين وكانوا هما كمان ليهم شيوخهم اللي بيحكمو على الأمور من منظورهم هما. وبعد كده اكتشفت حاجة تانية متقلش خطورة عن هيمنة الشيوخ وهي هيمنة الإسلام نفسه عند السلفيين، السلفيين عندهم مبدأ مهم هو إن “الإسلام حجة على الجميع” يعني لازم كل القوانين تتلغي والإسلام هو اللي قوانينه تمشي على الكل ومفيش حاجة تاني ممكن تمشي عليها، وطبعا واضح النتيجة … جمود فكري لإنه هيفضل يدور ف فلك واحد بقية حياته ومش هيكتشف حاجة جديدة طول عمره وبالتالي جمود فكري وعقلي وموت بالبطيء

انطون ميلاد حنا

antwn milad

انطون ميلاد حنا

كاتب وباحث ... صدر له كتاب اللغة المصرية الحديثة - دراسة وصفية

اقرا كمان ل انطون ميلاد حنا