التدين الشرق أوسطي (1)

انطون ميلاد

أنا من الناس اللي تقريبًا مكنتش ليها غير تلات أماكن بس البيت والمدرسة أو الكلية والكنيسة، وكان بالنسبة لي نموذج الإنسان المتدين دا نموذج الإنسان السليم والصحي والطبيعي، لكن الفترة اللي فاتت شفت حاجات كتير خلتني أغير رأيي، واكتشف إن نموذج الإنسان المتدين “بس” مش هو النموذج المثالي ولا حاجة.

انا مبتكلمش عن المتدينين بشكل عام، لكن أنا بتكلم عن فئة من البشر بيقولو انهم متدينيين، والفئة دي ابتدت تنتشر لحد مافكرها أصبح هو السايد تقريبًا. والمشكلة هنا هي مش التدين ف حد ذاته، لكن المشكلة اللي هعرضها هي مزيج من التدين والثقافة، أينعم الدين يعتبر جزء من الثقافة” لكن انا بتكلم عن مشاكل دينية بحتة ومشاكل تانية مرتبطة ظاهريًا بالدين لكن السبب الرئيسي فيها هو ثقافة البدو اللي اجتاحت المنطقة الفترة اللي فاتت. وزي ماكررت ف “جواب الملك يزجرد التالت” أنا هنا مش بهاجم الدين ذاته نفسه، لكن انا بهاجم الفكر الديني بتاعنا، بهاجم طريقة تناولنا للدين.

من الحاجات اللي خلتني أغير رأيي هي الأخلاق. أصحاب كتير ليا بيقولولي “التدين هو الأخلاق”، لكن ف الفترة اللي فاتت بدأ يظهر كلام عن أهمية الطقوس مع اختفاء لكل الكلام المتعلق بربط الدين بالأخلاق، فبقيت تشوف –ف الإسلام- كلام عن إنك لو قلت الكلمة الفلانية أو لو صمت اليوم العلاني ..أو …أو… هيتغفر ذنوبك ومعاصيك أو هيتحسبلك كام حسنة. وطبيعي هنا إن الإنسان اللي معندوش أخلاق هيستغل الكلام دا فإنه يمارس كوراث وخطايا وذنوب اعتمادًا على إنه لما يقول الكلمة الفلانية أو لما يصوم اليوم العلاني، هتتمحي ذنوبه فيدخل الجنة.

وف المسيحية هنلاقي ان بقى فيه تركيز اكتر على اننا نكون متواجدين ف الكنيسة ونشارك ف الصلوات بغض النظر عن ايه اللي جوانا، في حين إن المسيح قال “إن كنت بتقدم قربان على المذبح، وهناك افتكرك انك عامل مشكلة مع أخوك، سيب القربان وروح صالح أخوك الأول” (مت5:24) و”مش عاوز ذبيحة لكن عاوز رحمة” (مت 9:13)، يعني هنا المسيح بيفصل مابين الأعمال الطقسية ومابين الأخلاق اللي مابينها الرحمة والتسامح، وبيأكد على أهمية الأخلاق مش الطقوس.

من ناحية تانية هنلاقي مشكلة تانية إن مش دايمًا الدين بيبقى هو الأخلاق، فممكن نشوف إن الأخلاق ساعات بتتضارب مع الدين، ودا بيأكد إن الأخلاق والدين حاجتين منفصلتين، ودا بنلاحظه فأعداد الناس اللي معاها فلوس فبتروح تحج مرة واتنين وتلاتة لكن ف المقابل بمابتعملش أعمال خير، بدليل وجود أطفال شوارع وشحاتين ف الوقت اللي فيه ناس بالميات بتروح الحج كل سنة، دا غير الفساد الاداري اللي اتغول ف أجهزة الدولة.

لما نتكلم عن علاقة الأخلاق بالدين ممكن برضه نرجع لتقرير نشره موقع ذا جارديان وممكن ترجعه لأصله هنا:

التقرير بيتكلم عن دراسة عملها أكاديميين من سبع جامعات من كل الدنيا، والدراسة اتعملت على 1200 طفل مسيحيين ومسلمين وغير متدينيين، عشان يشوفو علاقة الدين بالأخلاق. الأطفال أعمارهم مابين 5 و12 سنة من الصين وكندا والولايات المتحدة والأردن وتركيا وجنوب أفريقيا، ونسبهم 24% مسيحي و43% مسلم و27.6% لا ديني. لكن أعداد اليهود والبوذيين والهندوس والملحدين وغيرهم فكانت نسبتهم صغيرة لدرجة أنهم مكنوش نافعين من الناحية الإحصائية.

الأطفال اتطلب منهم انهم يختارو استيكرات وقالولهم ان مفيش كفاية عشان يوزعوا الاستيكرات دي على المدرسة كلها وبعدين عرضوا عليهم فيديو لأطفال بتتخانق وبتزق بعضها كنوع من التحفيز عشان يشوفو رد فعلهم وهل هيعملو زيهم ولا لأ.

وكما بتقول الدراسة إن الأطفال من أسر دينية، وتحديدًا من الديانتين الكبار ف العالم اللي هم المسيحية والإسلام، كانو أقل غيرية (الغيرية إنك تتصرف تصرفات متعودش عليك بالفايدة لكن تفيد غيرك) من الأطفال اللي من أسر لا دينية، ف الوقت اللي الدراسة فيه بتقول إن الأبهات المتدينيين شايفين إن ولادهم ألطف وأكتر تعاطفًا وحساسيًة لمعاناة التانيين.

الدراسة اكتشفت كمان إن التدين بيأثر على الميول العقابية عند الأطفال وبتوضح إن الأطفال اللي من أسر دينية عندهم ميول أكبر للحكم على تصرفات غيرهم.

التقرير قال الأطفال اللي مضوا وقت أطول ف “التعرض” للدين زادت عندهم الآثار السلبية، وكانت نتيجة الدراسة هي إن علمنة الأخلاق هي مفيدة أكتر للتنمية الأخلاقية من التدين، وإن الدين له تأثير سلبي على الأخلاق.

انطون ميلاد حنا

antwn milad

انطون ميلاد حنا

كاتب وباحث ... صدر له كتاب اللغة المصرية الحديثة - دراسة وصفية

اقرا كمان ل انطون ميلاد حنا